دعوة الحق س2،ع6 مارس1959 ................... ص67
قصة: بطاقة توصية
بقلم: عبد الجبار السحيمي
كان العرق البارد يملأ جبهتي العريضة، وجسدي يرتعش في جنون، والشاوش ببذلته الزرقاء الموشومة ينفث دخان سيجارته في الهواء، ويحتسي بين الفينة والأخرى الشاي بصوت مرنم مسموع، ثم يلتفت إلى «شاوش» آخر ليقول له:
أنت تعرف صنع الشاي إذن ... لقد راق الرئيس كثيرا ...
وتقدمت منه بخطاي البطيئة، وأنا ارتعش .. وابتسمت له ابتسامة واسعة سرعان ما اختفت، عندما، وجدته يحدق في حذائي «الكاوتشوك» الذي بدت من ثقبته أصبع الإبهام طليقة في الهواء، ثم رفع رأسه إلى وجهي منقلا عينيه القاسيتين عبر البذلة الكالحة، إلى أن استقر بهما أخيرا على ربطة العنق المتسخة التي كانت تتدلى في استرخاء.
وفتحت فمي لأتحدث، عندما رن الجرس قويا في الممر الطويل، فمرمى عقب السيجارة وهو يقف ثم توجه على مكتب قريب وضعت على بابه ورقة بيضاء مكتوب عليها بالخط العريض: «مكتب الرئيس» ثم نقر الباب مرة .. ودخل.
كنت ارتعش، وحبات العرق البارد تملأ جبهتي، ودعوة أمي يتردد صداها في مسمعي «الله ما يخيبك».
هل تراه يستجيب لها؟
أرجو أن يفعل، أن يستجيب سريعا وينقذني من هذا الموقف الحرج الذي تأباه كبريائي أنا.
وعاد «الشاوش» ومد بقطعة فلوس من فئة خمسمائة فرنك إلى الشاوش الآخر صانع الشاي مخبرا إياه أن المدير يريد علبة سجائر «أمريكان» كالعادة، ثم توجه إلي بالسؤال: ماذا تريد؟
وفتحت فمي، ولكن الجرس عاد يرن مرة أخرى في قوة، وذهب الشاوش على المكتب ذي الورقة البيضاء المخطوطة ... ونقر مرة على الباب .. ثم دخل.
ومرت بي في الممر الطويل فتاة جميلة، حاملة بضعة «كراريس» ثم سرعان ما استدارت إلي متسائلة: أنت؟
لعلها نسيت أسمي .. ولكنها لم تنس الجبهة العريضة والوجه الأسمر، والحذاء «الكاوتشوك» وربطة العنق المتسخة التي كانت مثار سخريتها دائما، حيث كانت تقدم لي أحيانا شيئا ملفوفا في ورق، افتحه لأجد به قطعة صابون وكلمة «أغسل به ربطة عنقك».
لعلها لم تنس كل ذلك، وهي تستدير إلي، ثم تقترب مني مبتسمة .. نفس الابتسامة الساخرة التي كانت تواجهني بها في القسم، كلما البت علي الأستاذ المفتون بها ... وكلما طردني المراقب العام من المدرسة لأنني لا أدفع الواجب المدرسي في أوانه.
كانت تبتسم .. عندما سألتني في الممر الطويل: ماذا تفعل هنا؟
قلت: لا شيء.
فحدقت في ربطة العنق قائلة: غير معقول!؟
ولم اجب .. بينما استطردت هي: أنك ما تزال كما أنت دائما ... لم بتغير فيك شيء.