تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عادة نسائنا .. على أنني استطعت بعد أيام قليلة أن اعرف بطريقة غير مباشرة أي نوع من النساء كانت .. عرفت ذلك بواسطة التغير الذي طرأ على زوجتي .. تغير اتخذ أول الأمر شكل تأفف مما كنت أحمله من أكل متواضع، والذي كانت تتقبله من قبل باسمة متهللة .. وتطور هذا التأفف إلى تجهم واعترض، قالت لي ذات مرة:

- بطاطا كل يوم… وربع كيلو لحم، إنه لا يكفي حتى لمجرد الشم!

وابتسمت وأنا أرد:-ستتغير الحال .. الصبر جميل.

ومن غير أن تستمع إلى ما قلته، حملت القفة ومضت تتمم سخطها على هذه العيشة السوداء وفي الحقيقة لم أدر أن اصدق ما سمعته، وأخذت انتحل لها الاعتذار، كيف تتحول «راضية» الزوجة الهادئة إلى امرأة مشاكسة؟ هكذا بدون مقدمات تعلن سخطها بصوت مرتفع لا شك أن ضيفتنا قد سمعته.

وعندما احتوانا الفراش في الليل، سألتها عن سبب غضبها غير المعتاد، فأجابت في جفاء:-إن روحي تكاد تزهق من هذا الضنك .. كل الزوجات يشترين أثوابا جديدة ويحضرن في الأفراح إلا أنا ..

وقاطعتها في حدة:-ولكنك تعرفين أنني رجل فقير .. لقد حدثتك عن كل شيء ورضيت بأن تتزوجيني، لقد قلت لي أن ما يهمك في الدرجة الأولى هي المعاشرة الطيبة.

واستمررنا في الأخذ والرد، وكشفت لي «راضية» عن جانب كنت أجهله فيها، جانب اللجاج والتعلق بالتوافه. وقبل أن أغمض عيني خطر لي أن هذا التغير ربما كان طارئا جلبته الضيفة معها، فعقدت العزم على التأكد من حقيقة الأمر. في اليوم التالي تظاهرت بالخروج ووقفت في مدخل الدار أتسع ما سيدور بين المرأتين من حديث، صدق ظني، لقد كانت الضيفة حاملة بذور العصيان، سمعتها تقول بعد أن حكت لها «راضية» ما دار بيننا في جدال الأمس:

- هذه هي الطريقة التي تجدي مع الرجال .. إذا مل تلاحقيه بالمطالب وتكثري من الشكوى، فسيسرف في تقتيره عليك، وربما طالبك بالاشتغال من أجله ..

شعرت وأنا أستمع إليها كأنها تسمم كاس سعادتنا، وفي ثورة جارفة دخلت بادي الغضب لأطلب من الضيفة مغادرة البيت، أقدمت على ذلك لأنني كنت أظن أنني أدافع عن سعادتي وأن طرد مصدر الشقاق كاف لأن يرد حياتنا إلى سيرها الطبيعي .. إلا أن «راضية» تنمرت وتحولت إلى شخصية تمثل الشراسة في أقصى صورها.

وكانت طبيعتي الواضحة الصارمة التي لا تحتمل الزيف ولا ازدواج المشاعر، تلح علي لأطلقها واجعل حدا لهذه المحاولة التي قصدت بها أن أدفع عني الوحشة والملل .. إلا أن بطنها المنتفخ كان يحتم علي طرد هذه لفكرة، جزء من صلبي أحكم عليه بالتشرد ومرارة الإهمال واحرمه من حنان العائلة؟؟ يستحيل أن أقدم على ذلك. إن سعادتي قد انتهت في تلك اللحظة، فقررت أن استمر ماسكا بالخيط بيني وبين زوجتي من أجل المولود الذي كان على وشك الخروج إلى الدنيا .. سأحقق عن طريق كل الرغبات التي استشعرت قيمتها، كنت على الجنين- وكان لدي شبه يقين أنه سيكون ذكرا-آمالا كبيرة ...

مضى الشهر الذي بقي على ميعاد ولادتها بطيئا مملا، تذرعت فيه بالصبر واحتملت سخطها واستفزازاتها للخصام .. كنت أعيش على انتظار شيء كبير .. وكنت أظن أن المولود سيجعل حدا لهذا التنافر، ويعي الوئام المفقود.

هيهات! إني لا أزال أتذكر تلك العبارة المألوفة التي استقبلتني بها المولودة وهي تتمتم مصطنعة الأسى- البقية في حياتك.

هكذا يسفر انتظاري عن لا شيء .. عن مولود ميت. ما زلت أذكر تلك اللحظات، إني لم أسبل فيها دموعا بل تجمدت عواطفي وحملت النعش الصغير ومن ورائي معلمي وصديقي، إلى أن وصلت المقبرة ودسست الجسم الصغير تحت التراب.

وعندما انتهيت شعرت براحة كبيرة تغمرني كأنني تخففت من حمل ثقيل.

أردت أن أكون سعيدا، وتمسكت بآخر خيط ولكنه افلت مني… ربما كان الأساس الذي حاولت أن أقيم عليه صرح سعادتي خاطئا، لست ادري .. ولكنني شعرت بضرورة إنهاء هذه المحاولة وإيداعها صفحة الماضي، لذلك كتبت وثيقة الطلاق وبعثتها مع صديقي، ثم سرت متجها إلى غرفتي الصغيرة الأولى، لأستقبل فيها الليل بما فيه من وحشة وكآبة، والنهار بما فيه من ضجيج وأصوات.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٦٩