تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س2، ع6 مارس1959 ................... ص62

قصة: محاولة

بقلم: محمد برادة

إني أكاد لا أصدق، يخيل إلي أن لا تغيير طرأ على حياتي كل شيء من حولي وكل الأصوات التي تبلغ سمعي تؤكد لي أنني لم أفارق هذه الغرفة التي أتمدد فيها الآن .. غرفة ضيقة ذات أثاث حقير، سريران يكادان يلامسان الأرض، وثياب مكدسة في إحدى الزوايا، وإلى جانبها مجمر وبراد تحيط به ثلاثة كؤوس من غير صينية .. ارفع بصري إلى السقف فأصافح العنكبوت، وقد امتدت خيوطه في كل اتجاه، والمح خنفساء تحبو على مهل كأنها في نزهة الصباح! أما الشباك الصغير فيطل على شارع السويقة، ومنه يبلغني خليط عجيب من الأصوات والروائح .. أصوات الراديو وأصوات الباعة وهم يتنافسون في لفت أنظار الزبائن .. وتتسرب إلى انفي رائحة البصل والبطاطا والسمك والعنب والزيتون، ومن حين لآخر يصلني صوت الجزار المجاور وهو يصيح:

- صلوا على النبي يا ناس!

كل ذلك يؤكد لي أنني لم أفارق هذه الغرفة ولم أعش بعيدا عنها، وأكاد اصدق لولا ذكرى مغروسة في أعماق نفسي تعرض أمامي صورا متلاحقة لتجربة التي عشتها منذ أمد قريب، والتي كان أمس آخر يوم فيها. كان أمس آخر يوم في التجربة القاسية التي عشتها، وانتهت بأن دسست فلذة كبدي تحت التراب، ورجعت اجر رجلي في كآبة لاستقبل من جديد الليل في الدروب الموحشة. هل تعرف الليل في الدروب الموحشة؟

إني لا تذكر ضراوته جيدا عندما وجدت نفسي أمامه وحيدا منذ خمس سنوات في هذه الغرفة الحقيرة .. كان أول يوم وصلت فيه من قريتنا الصغيرة التي فارقتها ونفسي ممتلئة أملا في أنني سأكتشف عالما جديدا عندما اصل إلى العاصمة، كنت أسمع عن العمارات الشاهقة وعن السيارات وغيرها من العجائب، فتستولي علي الدهشة، وأصبحت أعز أمنية لدي هي السفر إلى المدينة لأعيش في وسط الدوامة المتحركة، وانفض عني غبار القرية وأحاديثها المملة .. وفي أول يوم وصلت فيه على العاصمة، انطلقت أجوب شوارعها وأتفرج على وجهات متاجرها، متتبعا لكل حديث يدور بين اثنين، فقد كانت بي لهفة إلى معرفة أشياء كثيرة .. وعندما كنت أتحدث إلى أحد كان يخيل إلي أن كل ما يتلفظ به جديد يستحق الحفظ فكنت أجهد ذاكرتي لاختزانه ...

وحل المساء، فتفطنت لإلى ضرورة العثور على مسكن آوي إليه، فسالت رجلا في الشارع، فأرشدني إلى فندق بالسويقة لم أجد فيه سوى هذه الغرفة الضيقة التي اقتسمتها مع رجل يبلغ أربعين سنة، نزح هو الآخر من قريته، ويتمتع بشارب كث نسيت أن أقول لكم أن الخنفساء الصديقة تمر فوقه عندما تعتلي صورته المعلقة وهي نزهتها الصباحية.

حاولت أن أنام مبكرا بعدما تعبث طيلة اليوم، ولكن أحاسيس حادة انبثقت في نفسي فذادت النوم عن عيوني .. شعرت أنني وحيد في هذه المدينة الشاسعة، وأنني مجهول من كل الناس، وألا أحد يشعر بوجودي، وكانت رياح الخريف تصفر في الدرب فأحسبها عواء ذئب ... وتراءت لي جدتي وأختي في منزلنا بالقرية، وهما تتساءلان عما آل إليه أمري، فتوقد الحنين في صدري وتمنيت لو أنني ظللت في مأمن من هذه الوحشية المؤلمة ...

كل لهذا الاستقبال الذي لقيتني به المدينة الكبيرة في ليلتي الأولى اثر يبعث في نفسي الكآبة كلما تذكرته .. وتبين لي منذ تلك اللحظة أنه يتحتم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٦٧