1) الصبغة الإنسانية المطلقة التي تكنسيها «المأساة» عند الأفارقة 2) ضرورة الحفاظ على المثالية المسيحية في أعين الجماهير الإفريقية المراد هدايتها، وقد أدركت السلطات الكنيسية في روما فعلا مدى خطورة هذه التناقضية المنبثقة عن الاختلاف بين المصالح التبشيرية المسيحية وبين الحقائق التوسعية الغربية فسعت إلى استبدال نحو عشرة من الأساقفة البيض بآخرين من الملونين حتى يصبح من الممكن -كما المحنا إليه- وضع حد للخلط الذي يمكن أن يقع أحيانا بين تصرفات التوسعيين الغربيين وبين الديانة المسيحية ولكن هذه الإرادة الكنسية في التمييز بين الاستعمار والدين لم تتركز إلى الحد الذي يمكن أن تستحيل فيه غلى إدانة صارمة وباتة للعقلية «السوبرومانية» الغربية التي تتدخل في ضبط العلاقات بين البيض والسود، ولهذا فإنني لا أقدر أن ينبثق عن مثل هذه الخطوات الكنسية المسكنة نتائج مسرحية بالنسبة لتقدم المسيحية في القارة، ذلك أن الوعي السياسي والإنساني الذي يجتاح إفريقيا اليوم- كما أجتاح قبلها مناطق «ملونة» أخرى لا يمكن أن يبيح طويلا الاستمرار في اعتبار الدين على أنه مجرد عقيدة سلبية لا تتعدى حدود الغيبيات إلى الواقع إلا قليلا، إن هناك في قلب القارة وبين أحراشها وأدغالها مشكلة إنسانية ضخمة ذات أساس أورو- إفريقي ولم يكن للكنيسة أن تتخذ منها هذا الموقف السلبي لو أن استبدال الأساقفة البيض بالسود كان يعني-في الواقع- شجب مظاهر القسوة والعنف التي كانت مقاومتها في أساس رسالة المسيح عليه السلام.
*
أما باعتبار الإسلام فإن الأمر يختلف عن ذلك كثيرا فالتكتلات الإسلامية بإفريقيا هي من صميم فصيلة هذه الكتل والجماعات التي تنصب عليها أوزار سياسة ... مالأن .. وغير «مالأن» من مسيحي القارة المتدينين!! كما أن الدعاة من أبناء المناطق الإسلامية غير السوداء- الذين قد يفدون من خارج القارة-لا يجوز- في الغالب- أن يكونوا ماتين بصلة حضارية أو جنسية أو قارية وثيقة للبيض الحاكمين، ولهذا فالإسلام في زحفه على أفريقيا لا يرتبط بالضرورة -غالبا- بذكريات ذهنية أليمة بالنسبة للإفريقيين -وخاصة سكان جنوب إفريقيا- وذلك ما يؤهله لأن يغدو- في حال ما إذا تجرد عن الشوائب الضارة -عامل الخلاص ومنبثق النور ومصدر الإشعاع لهذه الجماهير المسلمة التي تتلمس- على الأقل كما يجب أن يكون مفروضا لها- طريق التحرر والتطور، إنما تلك التي لا تزال تستبن بعد سبيل التوحيد فإن الإسلام يجب أن يقدم إليها-وذلك ما لا يتم دائما- كما يجب أن يكون دين مساواة عنصرية وتكافل اجتماعي وانطلاق فكري وتحرر عقلي مع الانسجام في ذلك بالطبع مع مستويات العقليات البدائية والمتطورة واعتبار الشروط البيئة والتاريخية المكونة لهذه العقليات.
على أن الأوضاع السياسية -الحكمية التي تسود كثيرا من أرجاء القارة من شأنها- كما سلف أن المحنا إليه-أن تنتصب- بدرجات متفاوتة- حائلا دون تحقيق شامل وعملي لهذه المبادرات، ومع ذلك فقد أمكن للوعي الفكري الذي أصبحت القارة تستروح نسائمه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أن يتجسم في إشكال واقعية قد يمكن لبعضها أن يقوم في المستقبل بإنجازات هامة في مضمار الانبعاث الإسلامي بإفريقيا، ويسهم في توفير الفرص والإمكانيات لاتصال إسلامي- إفريقي كبير، والواقع أنه كان لإشعاع الثقافي المنطلق عن بعض البلاد العربية تأثير كبير في ذلك، ولنتناول كنموذج لنشوء ظاهرة الوعي الإفريقي الإسلامي هذا منظمة «الاتحاد الثقافي الإسلامي» التي تضم كثيرا من خريجي المعاهد العربية والتي يمكن أن تكون نواة بعث فكري وعقائدي في المناطق السوداء المسلمة بالإضافة إلى ما يجوز أن تسهم به-فيما يفترض أن يكون هناك من انتشار إسلامي محتمل بالأقاليم الوثنية الإفريقية- ويقول السيد لي باسيرو رئيس الفرع السنغالي للاتحاد: «تستهدف المنظمة- في المحط الأول- تركيز الأخلاق الدينية وبالتالي تهذيب الأعضاء الذين تتشكل منهم والجماهير المومنة تهذيبا إسلاميا قويما، كما أنها عاقدة العزم على الإسهام أيضا في التقدم الاقتصادي والاجتماعي بإفريقيا، وهي مقتنعة بأن إسلاما مجردا عن الشوائب ليس له إلا أن يكون عنصرا ايجابيا في سبيل التقدم والتطور بإفريقيا ... »
وقد كان مجال نشاط الهيئة محدودا في نقطة انطلاقها الأولى: دكار إلا أن مؤتمرها الاتحادي التأسيسي الملتئم في دجنبر 1957 أمكن أن ينبثق عن إنجاز مسرحي هام ذلك حينما تم الاتفاق على إجراءات توسيع نشاط الهيئة وتزويدها بالإمكانيات الضرورية على الصعيد النظري والعملي لتصبح أداة نهوض فكري وبلورة عقائدية للجماعات الإسلامية