تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما أشد ما يتشابه الموقفان: في العمل العلمي وفي السلوك الخلقي .. في الحفاظ اللغوي المر وفي الحفاظ على الخلق الصلب الوعر ... وكيف لا يتشابهان؟ .. أليسا نبعة واحدة عن المثل الأعلى الذي رفعه هؤلاء الأعلام؟

أيها السادة:

لقد قلت من قبل أن المقاومة والحفاظ والتأبي هي صور البطولة في هذه الفترة البطولية في اتجاهها العلمي والسلوكي ... ولم نستطع أن نلتمس هذه الصور عند الشعراء وإنما وجدناها عند العلماء ... فقد كان هؤلاء العلماء الذين منحوا البطولة وجودها في هذه القرون بين سقوط بغداد وبين النهضة كالواحات: تجدد عزم الراكب وترد إليه أمله بعد يأس ... بل أنهم في بعض اللحظات بدوا لي وأنا أعد هذا البحث كما لو كانوا هذه الجزر الناتئة في هذا المحيط المظلم الذي يفصل بين دخول الغول بغداد، وبين تفتح الذهن العربي والنفس العربية في القرن التاسع عشر ... كانت جزرا صغيرا ولكن العين لا تخطئها على سعة هذا الخضم الهائل ... لأنها كانت تتحدى في وجودها المستقل المتميز معاني الطغيان في هذا الخضم الهائل ... كانت كأنما ترفع رأسها في وجه الإعصار ... تفرح بالجزر ولكنها لا تخشى المد لأنها حين ينحسر عنها تخرج دائما مصهورة نقية .. أن وجود هذه الجزر الصغيرة فوق اليم الطامي هو الذي زيف وجود اليم لأنه مكن من إقامة الجسور فوقها لتنطلق عليها القافلة التي استيقظت لتدخل التاريخ مرة أخرى ... إن قيمة هذه الجزر قوتها، من قوة الأسس التي ترتكز عليها وعمقها ... أنها قد تكون صغيرة ضيقة ولكن كل أرض القاع مرتكزها ... أنها كانت كالذروة التي تنبئ عن الكتلة الضخمة التي هي نهاية لها ... وقد تمثلت هذه النهاية في صفاء السلوك وفي صفاء المعتقد وفي صفاء اللغة ... وأحسب أن هذه يجب أن تكون مرتكزنا نحن الجديد.

إن عرض هذه الأبحاث ليس بالغرض النظري .. أنها ليست عرضا لصور البطولة من حيث هو عرض بمقدار ما هي محاولة لاستخلاص المثل الأعلى على فترات التاريخ العربي ... لا أقول لصياغة المثل الأعلى ... فما يصاغ هذا المثل، وإنما هو ينطلق كشعاع دافق ممتد بين يدي الجماعة في طريق سيرها ... ونحن إنما نعمل ونسافر ونكتب لنطلق هذا المثل الأعلى بين يدي طريقنا الجديدة، طريق الوحدة ...

أيها السادة:

لعلنا فعلنا ذلك ...

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٢٨