تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من أثر ذلك أن القنا والرماح والسيوف والنصال وهي بعض مظاهر القوة وأدوات البطولة لا تتبدى في هذا العصر في وصف الجيوش والمعارك وساحات الجهاد قدر ما تتبدى في وصف القدود والعيون والنظرات ... وأي -ترد ابعد من هذا أن لا تقع على السيف، سواء في واقع الجماعة أو في عملها الفني، حيث يجب أن يكون من أعناق الطغاة أو الظلمة وإنما تقع عليه في هذا الرمز الذي يفسد طبيعته ويفسد طبيعة الغزل في آن واحد ... وحين كان العربي في مكانه الطبيعي من الحياة السليمة كان يذكر هذه الأشياء في نطاق الغزل ولكنه لا يترك لهذا الغزل أن يمسخ حقيقتها ويفسد طبيعتها ولا يتيح له أن يمتصها وان يشوهها وأن ينسى ضمائر الناس جوهرها الأول ... وإنما كان العربي يذكر ذلك فيتعرف هذا القرن الرائع النفسي، العميق، بين بريق السيوف وبين بريق الثغر حين تكون الرماح تنهل منه ... وتكون مهمة الغزل لا أن يفسد طبيعة البطولات وإنما يكون من طبيعته أن ينمي هذه البطولات لأنه يصقلها، وان يكون خيال المحبوبة وجمالها هالة جديدة في هالات المعاني الإنسانية العميقة تحتاط مثله الأعلى وتساعد على اجتلائه وصقله .. كان العربي الأول يقول ما قال عنترة:

ولقد ذكرياتك والرماح نواهل

مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها

لمعت كبارق ثغرك المتبسم

أما الذي كان يقال في هذه الفترة فذلك مثل الذي يقوله شاعر اسمه يوسف المغربي (1):

جعلوا الشعور على الخصور بنودا

والراح ريقا والشفيق خدودا

جعلوا الصباح مباسما ثم الظلا

م ضفائر ثم الرماح قدودا

والورد خدا والغصون معاطفا

والشمس فرقا والغزالة جيدا

ورأت غصون ألبان أن قدودهم

فاقت فأضحت ركعا وسجودا

وكان من الحق أن لا اذكر لكم مثل هذا المثال حتى لا أفسد عليكم نشوة الأبيات الأولى

ونحن في هذا نأخذ على هذا الشعر انصرافه إلى الغزل، ليس ذلك من غرضنا في شيء، ولا نريد أن نحمل الأدب معنى معينا فما ذلك من طبيعتنا في شيء، ولكننا نريد إلى القول أن هذا الغزل فقد صلته بالنفس الإنسانية، فلم يعد هذا الحنين وهذا الشوق في مواكب الروح المتفتحة للجمال أو للحق، أو للجنة، بل إنه باعد ما بينه وبين الجمال الحق، والحق الخير، والخير الجميل، وما يقال عن الغزل يقال كذلك عن كل الفنون الشعرية الأخرى ... أطلال ليس فيها رائحة أصحابها، وظلال ممسوخة لا يرتسم من تموجاتها صورة نافذة ولا تدفع إيحاءاتها بالناس إلى أعلى من المستوى الذي فيه يتمرغون.

» وكذلك غابت أيها السادة معاني البطولة في العمل الفني من وجهين اثنين: أولهما أن واقع الجماعة نفسه لم يكن من الغنى النفسي بحيث يستطيع أن يمثل أعمالا فنية قيمه .. والآخر أن آمال الجماعة نفسها لم تكن من التفتح ومن الازدهار، بحيث تشحذ الإلهام وتصقل المشاعر فيتولد عنها هذا الترف إلى عمل بطولي، أو هذا الرمز إليه، أو هذا التبشير به».

لن نقع على معاني البطولة إذن في الأدب بمعناه الضيق الخاص، اعني في الشعر والنثر ... ولكني قلت لكم في مطلع الحديث أن معاني البطولة في هذه الفترة تتمثل في المقاومة، تتبدى في التأبي ... تحاول أن تتلاحم مع كلمة «لا» حيث يجب تقال «لا» .. فمن أين استقينا معاني البطولة هذه؟ ... أين نقع عليها إذا لم نقع عليها في الشعر والنثر؟.

«لنخرج أيها السادة من نطاق الأدب بمعناه الضيق من حيث هو شعر ونثر فقد عجز الشعر والنثر عن ذلك لم يسعفه الواقع لوم تسعفه ألاماني، ولنلتمس بطولة هذه الفترة من تاريخنا في الأدب بمعناه العام ... وما أسرع ما نقع عليها ... ما أسرع ما تبدو لأعيننا وتملا قلوبنا روعة في سيرة كثير من العلماء في ذلك الحين في أسلوب حياتهم من نحو وفي عملهم العلمي من نحو آخر».

«والاتصال بحياة العلماء الذين سكبوا نور عيونهم ليوقدوا به شعلة المعرفة، وليحفظوا عليها ألقها، والتعرف إليهم هؤلاء الذين حفظوا قيم الجماعة

(1) -ريحانة الالباء 235.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٢٥