تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س2 - ع6 - مارس1959 ................... ص4

فريضة الجمعة

بقلم: محمد الطنجي

يوم الجمعة يوم دعاء وذكر وصلاة كان من هدى الرسول (ص) فيه تعظيمه وتشريفه وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره، ففيه كما يقول ابن القيم: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضه سوى يوم عرفة، ومن تركها تهاونا بها طبع الله على قلبه. ويقول نفس ابن القيم في موضع آخر: مستدلا على عظمة يوم الجمعة: وهو عيد متكرر في الأسبوع. وقد روي أن يوم الجمعة سيد الأيام. وقد أمر الشارع فيه بالاغتسال، وهو مؤكد جدا وخصوصا على من به رائحة يحتاج إلى إزالتها.

كما حض الشارع فيه على استعمال الطيب. فروى البخاري عن النبي (ص): لا يغتسل رجل يوم الجمعة فيتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهن أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين (يعني في المسجد)، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، كما حض الرسول على لبس أحسن الثياب، ففي سنن أبي داود عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله (ص) يقول على المنبر يوم الجمعة: ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته. وكذلك طلب الرسول من أمته الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة وليلة الجمعة، لعظم هذا اليوم عند الله، ولما نال هذه الأمة على يد النبي الكريم أو بواسطته من كرامة وعزة.

كيفية صلاة الجمعة في مسجده عليه السلام

أما كيفية إقامة الجمعة في عهد النبي، فهي تفيدنا في معرفة هديه في هذه القربة العظيمة، وبمقارنة ذلك بعاداتنا وفعلنا نعرف ما وافقنا فيه رسولنا عليه السلام، واقتدينا به فيه وما خالفناه فيه وفارقنا فيه هديه وسنته. فعن السائب بن يزيد رضي الله عنه: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء، ولم يكن للنبي (ص) غير مؤذن واحد، رواه البخاري والنسائي وأبو داود، ولابن خزيمة: كان الأذان على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة، وفسر الأذانين بالأذان والإقامة تغليبا.

ثم إن أذان الجمعة هو خاص حيث كان بلال يؤذن على باب المسجد كما هو صريح في رواية الطبراني، ذكره الحافظ بن حجر معقبا به على ما قاله المهلب من كون الحكمة في جعل الأذان بهذا المحل ليعرف الناس جلوس الإمام على المنبر فينصتون له إذا خطب، وعلى هذا فالأذان الأول على باب المسجد، والأذان الثاني هو الإقامة إذا أتم الخطيب خطبتي الجمعة، أما الأذان الذي زاده عثمان على الزوراء، فهو بعيد عن المسجد. قال البخاري: هي أي الزوراء موضع بسوق المدينة. قال الحافظ: وهو المعتمد، وقال ابن بطال: هو حجر كبير عند باب المسجد، ورد بما عند ابن خزيمة وابن ماجه عن الزهري أنه دار يقال لها الزوراء، وعند الطبراني: فأمر بالنداء الأول على دار يقال لها الزوراء فكان يؤذن عليها، فإذا جلس على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة. قال في «الفتح»: والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان لكونه كان خليفة مطاع الأمر، لكن ذكر الفاكهاني أن أول من أحدث النداء الأول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد (يعني في زمن بني أمية بعد وفاة عثمان). قال الحافظ: وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن (يعني الحافظ بن حجر في زمنه في القرن الثامن) لا تأذين عندهم سوى مرة. وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، فيحتمل أن يقول ذلك على سبيل الإنكار ويحتمل أن يريد أنه لم يكن في زمن النبي (ص) وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسا على بقية الصلوات، وألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وأما ما أحدث الناس قبل الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي (ص) فهو في بعض البلاد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٠٩