تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحاديث الرسول، وحسبنا أنه هو الكل، فلا شيء ينقذنا من التورط في الخطأ. وإن شئت المثال، فانظر القرآن ثارة أكد الإيمان بالله فحسب، كما هو في آية «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا .... المذكورة آنفا، وتارة أكد الحاجة إلى الإيمان بالآخرة فقط (الأنعام:) وتارة إنما ذكر اليوم الآخر مع الإيمان بالله (النور:) وتارة أكد الحاجة إلى الاعتقاد بالآخرة والكتب الإلهية فقط (النساء:) وتارة قرر إنكار الإنسان للأنبياء والملائكة كفرا وفسقا (البقرة:) وتارة بين للإيمان خمسة أجزاء: الإيمان بالله والإيمان بالرسل والإيمان بالكتب والإيمان بالملائكة والإيمان باليوم الآخر (البقرة:)

والحقيقة أن هذه المواضع كلها لا تعارض بينها بل إنما جاء فيها ذكر مختلف أجزاء الإيمان مؤكدة حسب الحاجات والمقتضيات العارضة في مختلف المراحل، فإذا صرفنا النظر عن هذا المبدأ وأخذنا آية خاصة من آيات القرآن الكثيرة وادعينا، بناء على ما جاء فيه من عدد أجزاء الإيمان، وإن لا حاجة للإنسان لكونه مؤمنا إلا إلى الإيمان بالتوحيد أو بالله واليوم الآخر أو بالله والرسل فقط، وإن الإقرار ببعض أجزاء الإيمان دون بعضها يكفي له في النجاة، فلن نكون على الصواب أبدا ولا تكون هذه الدعوى منا إلا تنمية لجهلنا بلغة القرآن وأسلوبه في البيان.

وعلى غرار هذا، فإن القرآن يؤكد تارة الإيمان فحسب، وتارة يشترط النجاة بالإيمان مع عمل الصالحات والتقوى كما هو في آية «وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (آل عمران:) وسورة العصر. ثم أنه يؤكد عملا في موضع وآخر في غيره، فيؤكد تارة الصلاة والزكاة، وتارة الصدق والإخلاص وحسن المعاملة، وتارة العفاف وحفظ الفروج وتارة الرحم وحقوق ذوي القرابة، وتارة مواساة اليتامى والمساكين وتارة البر بالوالدين وتارة حدود القانون للحياة الاجتماعية وتارة أكل الحلال وترك الحرام ............ وهكذا فإنه يبين كل واحد من هذه الأمور ويؤكد في موضعه كان عليه المدار للنجاة والفلاح. فإذا قطعنا النظر عن هذه المجموعة المتكاملة لأحكام القرآن وتعاليمه وتناولنا بالنظر لإحدى آياته دون غيرها وقلنا أن القرآن يبشر بالنجاة بمجرد الإيمان دون أن يكون معه العمل أو أنه يكتفي بواحد أو العفاف أو صلة الرحم أو غيرها سواء أكان هذا العمل مقترنا بالحسنات أو لم يكن، فلا يكون منا هذا القول أيضا إلا نتيجة لقلة فهمنا للقرآن وعدم تدبرنا في أسلوبه للبيان. الحقيقة لقلة فهمنا للقرآن وعدم تدبرنا في أسلوبه للبيان. الحقيقة إن القرآن يعرض في مجموعة تعاليمه خطة شاملة متكاملة للحياة الفكرية والعملية حيث قد وضع فيها كل شيء من أجزاء الإيمان والأخلاق والقوانين العملية في موضعه اللائق به، إلا أنه سلك لتوكيد هذه الأمور وإرساخها في أذهان الناس طريقا خاصا يقوم قبل كل شيء وبعده على الحكمة البالغة والموعظة الحسنة، وهو أن لا ينزل هداية للناس إلا عند المواقع المناسبة لها على حدة. فإذا عرض للناس حادث وكانت أذهانهم مستعدة عندها لقبول هداية خاصة مثلا، أنزل لهم تلك الهداية على الفور بمناسبة ذلك الحادث حتى لا تلبث أن تملأ أذهانهم وتلتحم في قلوبهم وأرواحهم، وأحيانا أمر الرسول بتهذيب طائفة خاصة منهم، فأنزل من التعاليم العامة، على حسب ما تتطلبه أحوال تلك الطائفة، ما كان ضروريا لهدايتها إلى الحق. وأحيانا إذا وجد المجتمع بحاجة إلى تعليم خاص، هيا القلوب والأذهان لتلقيه بالقبول: أولا بضرب الأمثال وبيان نظائر الأمم الماضية وأحوال الأنبياء السابقين والدعوة إلى النظر في الآفاق والأنفس، ثم انزل ذلك التعليم حتى تقع مع نفوسهم الموقع الحسن وتأخذ بمجامع فقلوبهم. وهذا الطريق الخاص لتعليم الناس وتهذيبهم إنما سلكه الله سبحانه وتعالى لأنه ما كان يريد أن يرتب خطة من خطط الإصلاح ويرسم منهجا من مناهج التعليم والإرشاد فحسبن بل كان يريد أن ينفذ خطته فعلا ويحدث بها الانقلاب في حياة الناس الفردية والاجتماعية، شيء ما كان بد فيه من التدريج والترتيب ورعاية المواقع والأحاسيس النفسية.

ونفس هذا الطريق ـ القائم على الحكمة والموعظة الحسنة ـ سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا في تعليم إتباعه وتزكية نفوسهم وإصلاح وأحوالهم ودعوتهم إلى الحق وتبليغهم أحكام ربهم طوال حياته النبوية. فكان يأتيه كل نوع من الناس يسألونه في مشاكلهم وأحوالهم، وكان كل واحد منهم مختلفا عن غيره في عقليته وكفاءته للقبول وحالته الخلقية والاعتقادية والعملية. فلو أنه صلى الله عليه وسلم لم يخاطب كل واحد منهم في كل حين إلا بحديث بعينه ولم يزوده إلا بنوع خاص من الهداية، لما لقي في دعوته من النجاح والتوفيق ما قد أحدث الانقلاب في التاريخ كان تلميذا للحكيم المطلق فما كان يتبع في حياته إلا نفس الطريق الذي سلكه ذلك الحكيم المطلق في كتابه فكان كل تعليم من تعاليمه مع الرعاية للمناسبة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠١٨