قال: (ألا ترى كيف يستطيع السجين الفلسطيني في "إسرائيل"، الدولة العدوة المحتلة المحاربة، أن يتصل بقناة فضائية خارج "إسرائيل" تعادي "إسرائيل" ليشرح للعالم كله وضعه وأحواله؟! أتعرف أنني يا أخي لم أحظ خلال عشرين سنة من السجن إلا بزيارة واحدة من أهلي، باعوا بيتنا ثمناً لها؟! وحصلت بعدها أنا على أربع وعشرين ساعة من التعذيب المتواصل، لأن السجان لاحظ أنني عدت مسروراً من رؤية أهلي، فأزعجه سروري، فآلى على نفسه أن ينسيني فرحة تلك الزيارة فوراً، هل تعلم أن أحد إخوتنا المساجين دفع حياته ثمنا لزيارة أهله اليتيمة له؟! لقد ساء السجان أن يرجع أخونا مستبشراً من الزيارة، فضربه بكعب البندقية، فارتطم رأسه بالجدار وخر صريعاً قبل أن يعود إلينا في المهجع).
قلت له: (لكن ألا ترى كيف يعذبون ويضربون عن الطعام ولا يستجيب لهم أحد؟).
قال: (أتعرف أننا كنا في إضراب إجباري عن الطعام لمدة أعوام؟! أتعرف أننا كنا نحصل في تدمر على بيضة واحدة لكل ثمانية أفراد كل أسبوع؟! أتعرف كيف كنا نقسم البيضة؟! كنا نقسمها بالخيط، أتعرف أن البصلة الواحدة كانت تكفينا لأسبوع، وكنا نقشرها قشرة قشرة ونعطي كل واحد قسماً من القشرة؟! أتسمع هذا الذي يتأفف من نظافة المراحيض في السجون الإسرائيلية؟! أتعرف أننا أمضينا الأشهر الستة الأولى لا نخرج من المهجع للتبول ولا للتغوط ولا للاغتسال؟! علماً بأننا كنا مائتي سجين في غرفة لا تتسع لأكثرمن ثلاثين سجيناً على الأكثر).
طالت السهرة بعد هذا، وكان حديثاً ذا شجون لا أستطيع البوح به كله، لأنني متأكد أنه لن ينشر ولا في موقع على الشبكة، وستنطلق أبواق الإعلام السوري لتصنفني ضمن خانة العمل مع "إسرائيل" ضد "صمود سورية التاريخي"، و "وقوفها في وجه المخططات الصهيونية والإمبريالية"، وتصفني بـ "الخيانة والعمالة والانبطاح والزئبقية" ... إلى آخر ما هنالك من كلمات في قاموس "البعث العربي الاشتراكي".
ازدردت آلامي في صمت، ولم أحاول أن أكتب شيئاً في الموضوع، ولكن بعد أيام ظهرت الكاتبة الكبيرة؛ الوزيرة الشهيرة التي تعمل في جرائد العالم العربي والغربي أكثر من عملها في الوزارة التي تتعيش منها، لتكتب كالعادة عن الأسرى الفلسطينيين في إحدى أكبر جرائد المنطقة، وبدأت بذرف الدموع على عذابات الأسرى وأهليهم، واستجداء العالم للعطف عليهم والتذكير بمأساتهم، فكانت مقالتها الدافع لي لكتابة هذه المقالة، لا لأرد عليها، لأنني أعرف أنه لا حياة لمن تنادي، ولكن لعل أحد المغترين يعرف بما تكتب جزءاً من الحقيقة ...