وثانيها : ابتلاء الله له بكلماته ، ونجاحه في إتمامهن ، فكان أن قال الله له : ? إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ? (1) وهذه منزلة عظيمة ، وكرامة جليلة من الله تعالى لخليله ، أطمعت إبراهيم - عليه السلام - في استمرار هذه الإمامة لبنيه من بعده، فطلب من ربه قائلاً : ? وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ? فكان الجواب : أن الإمامة في الدين لا تنال إلا بالتقوى واليقين ، ولا ينالها أحد من الظالمين . ? قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ? (2) .
وثالثها : حوار إبراهيم – عليه السلام – مع ربه في أن يلمس الآية البينة على البعث وإحياء الموتى ، وأن يرى ذلك رأي العين ، ليس شكاً في القدرة ، ولكن رغبة في الرؤية لتلك العظمة في القدرة .
وإلا فإبراهيم – عليه السلام – آية في كمال الإيمان وتمام اليقين . وإمام في ذلك .
فقد ترك وليده ووحيده في صحراء جرداء ، ثقة بالله . وأراد ذبحه قربة وطاعة لله .
وجادل النمرود الملك الطاغية ثقة بنصر الله .
ورأى من آيات الله ما يبهر ، حين جعل الله النار برداً وسلاماً عليه .
وطلب رؤية إحياء الموتى ، إنما هو ثقة بالله تعالى وإدلالا عليه ، فإن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ، فكان أن أكرمه الله وأبره فأجاب طلبه ، وأمره أن يأخذ أربعة أنواع من الطير ، ويضمها إليه ، ويتعرف أنواعها وألوانها وأجزاءها ، ويتأمل خلقها ، ثم يجعلها أجزاء ، ويفرقها أشلاء ، ويباعد بين تلك الأعضاء ، فيجعل على كل جبل منهن جزءا ، ثم يدعوهن إليه؛ فلما فعل ما أُمر به ، رأى العجب ، فبمجرد هذه الدعوة عادت الأشلاء وتكاملت الأجزاء مع بعضها ، وسرت فيها الحياة ، وعادت إليها الروح ، وبقدرة الله سعت إليه وسارت بين يديه (3) .
وما كان ذلك إلا بقدرة العزيز الحكيم ، فتبارك الله رب العالمين .
(1) «البقرة» الآية (124) .
(2) «البقرة» الآية (124) .
(3) «قصص الأنبياء» جاد المولى ص (36)