عباد الله: إن مصالح العباد وحياتهم لا تصلح إلا بتعاقب الحالين، فالله حكيم عليم، لم يوجد شيئاً عبثاً ولم يخلق شيئاً محضاً، والشتاء ـ يا عباد الله ـ ظرف يمكن تسخيره لطاعة الله، بل إن الواجب يحتم ذلك، جاء في مسند الإمام أحمد مرفوعاً إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((الشتاء ربيع المؤمن، طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه)) [2].
ويقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: (مرحباً بالشتاء، منه تنزل الرحمة، أما ليله فطويل للقائم، وأما نهاره فقصير للصائم).
وهاتان نعمتان فرط فيهما كثير منّا وهما يتيسران في الشتاء، ليحاسب كل واحد منا نفسه ـ يا عباد الله ـ كم ليلةً قامها وكم يوماً صامه؟ ألا ما أعظم تقصيرنا! لقد كان سلف هذه الأمة - رحمهم الله - قليلاًُ من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، فقوى إيمانهم وصدقه يقينهم، فاجتهدوا وكسلنا، وقاموا ونمنا، قدوتهم في ذلك الرسول الأعظم والنبي الأكرم عليه من ربه الصلاة والسلام الذي كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، وكان عمله دِيْمَةً [3] على الدوام.
سئل أحد السلف ما بالنا لا نقوم الليل؟ قال: (كبلتكم معاصيكم).
إننا والله الذي لا إله غيره لم نحرم صلاة الليل إلا بذنوبنا وإسرافنا على أنفسنا، ذلك الثلث الأخير الذي تتنزل فيه الرحمات، وتقسم فيه الهبات من لدن رب الأرض والسموات باسطاً يده سحاء، يغفر ذنوب المذنبين، ويكشف الضر عن الملهوفين، وينفس كرب المكروبين، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، كرم وتفضل منه نحن عنه معروضون، وبلذيذ المنام نحن مشتغلون.