تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- قال: "جزّأت الليل ثلاثة أجزاء: ثُلثاً أصلي، وثُلثاً أنام، وثُلثاً أذكر فيه حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". وروي مثله عن عمرو بن دينار وسفيان الثوري. وكانوا يرشدون إلى ذلك أيضاً قال أحمد بن الفرات: "لم نزل نسمع شيوخنا يذكرون أشياء في الحفظ فأجمعوا أنّه ليس شيء أبلغ فيه من كثرة النظر، وحفظ الليل غالب على حفظ النهار"، وقال: "سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: إذا هممت أن تحفظ شيئا فنم وقم عند السحر فأسرج، وانظر فيه فإنّك لا تنساه بعد إن شاء الله". وهذا الخطيب البغدادي يقول: "واعلم أنّ للحفظ ساعات ينبغي لمن أراد التحفظ أن يراعيها .. فأجود الأوقات: الأسحار، ثم بعدها وقت انتصاف النهار، وبعدها الغدوات دون العشيات، وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار"، قيل لبعضهم: بم أدركت العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح، وقال آخر: بالسفر والسهر والبكور في السحر. وسمعنا عن كثير من العلماء من المتقدمين والمتأخرين أنهم يعكفون على طاعة الله وطلب العلم في وقت غفل النّاس فيه عن هذا وناموا وتجد الواحد منهم يسهر الليالي الطوال مجتهداً في ذلك طلباً وتحصيلاً وتحقيقاً للمسائل وتخريجاً وتثبتاً في الأحاديث وتبحراً في العلوم. هناك فرق كبير بين هؤلاء ومن يضيّع أوقات الشتاء بل وسائر أيام العام في اللهو وارتكاب المعاصي. فطوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى اللّه إذا استيقظ فحاله أحسن وأطيب من هذا العاصي لربه. قال يحيى بن معاذ: "الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك".

وقال أحمد بن فارس من شعراء العصر العباسي ناصحاً:

إذا كنت تأذى بحرِ المصيف *** ويبَسِ الخريف وبَردِ الشتا

ويلهيكَ حُسنُ زمانِ الربيع *** فأخذُك للعلم قلْ ليْ متى

الشتاء أحكام وآداب · الصفحة ١٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشتاء أحكام وآدابص ١٠٠