وقد أعجب الدكتور طه حسين بمطران، وأشاد بشعره، وبمقدمته التي كتبها لديوانه1 وذكر في المثل الأعلى للشعر بأنه: "الكلام الموسيقي الذي يحقق الجمال الخالد في شكل يلائم ذوق العصر الذي يقال فيه ويتصل بنفوس الناس الذين ينشد بينهم، ويمكنهم من أن يذوقوا هذا الجمال حقا فيأخذوا بنصيبهم النفسي من الخلود2" ويعجب بشعراء فرنسا. وينتقل قطعا من "بودلير" وغير بودلير، ويردد أن الشعر الجيد يمتاز قبل كل شيء بأنه مرآة لما في نفس الشاعر من عاطفة، مرآة تمثل هذه العاطفة تمثيلا فطريا بريئا من التكلف والمحاولة، فإذا خلت نفس الشاعر من عاطفة، أو عجزت هذه العاطفة عن أن تنطق لسان الشاعر بما يمثلها فليس هناك شعر، وإنما هناك نظم لا غناء فيه3، ويرى أن الشعر الخالد هو الذي يلائم كل العواطف في كل الأزمان والبيئات وهو الذي يخاطب العواطف الإنسانية العامة4، ويعلل جمود شعرائنا بأنهم "مرضى بشيء من الكسل العقلي، بعيد الأثر في حياتهم الأدبية فهم يزدرون العلم والعلماء ولا يكبرون إلا أنفسهم، ولا يحفلون إلا بها، وهم لذلك أشد الناس انصرافا عن القراءة والدرس والبحث والتفكير، وكيف يقرءون أو يبحثون أو يفكرون وهم أصحاب خيال، ومن شأن الخيال أن يسعد إلى السماء بجناحيه في غير تفكير ولا بحث، فأما البحث والتفكير فشأن العقل، والعقل عدو الخيال، وهو عدو الشعر، وليس من الحق في شيء أن الشعر خيال صرف، وليس من الحق في شيء أن الملكات الإنسانية تستطيع أن تتمايز وتتنافر فيمضي العقل في ناحية لينتج العلم والفلسفة، ويمضي الخيال في ناحية لينتج الشعر، وإنما حياة الملكات الإنسانية الفردية كحياة الجماعة وهينة بالتعاون، ومضطرة إلى الفشل والإخفاق إذا لم يؤيد بعضها بعضا"5 ويرى أن يشترك العقل والقلب في النظم معا6. ولكن الواقع يظهر لنا أن الشعراء الذين تأثروا كثيرا بالحقائق العلمية وحاولوا
في الأدب الحديث · الجزء ٢ · الصفحة ٢٨٩
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
في الأدب الحديثج ٢ · ص ٢٨٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي