قيل -وهو قول حق- إنه بالمثال يتضح المقال، فليكن المثال من الواقع الذي تعيشه الشعوب والأمم. فلنفترض أن شعباً من الشعوب الديمقراطية، وليس فقط من الشعوب التي تدعي الديمقراطية، انتهت مدة حاكمه وأراد هذا الشعب اختيار حاكم جديد له، بدلاً من الحاكم السابق. فإن الديمقراطية تجيز لأي فرد من أفراد هذا الشعب أن يرشح نفسه للانتخاب، فمن الطبيعي أن يتسابق من يرون في أنفسهم القدرة على القيام بأعباء الحكم للفوز بهذا المنصب، وتعطى لهم الفرصة للقيام بحملاتهم الانتخابية، وصرف الأموال الطائلة عليها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تقوم الجهات المسؤولة بإعداد قوائم المرشحين، وتنظيم مراكز الاقتراع، إلى غير ذلك من الأعمال التي تقتضيها عملية الترشيح والانتخاب.
فلو افترضنا أن هذا الشعب مكون من عشرين مليون نسمة، فإن أعلى نسبة فيه لعدد الناخبين لا تتعدى 25% من عدد السكان، أي أن قوائم المرشحين تحتوي على خمسة ملايين ناخب فقط. فما عدد الذين سيحضرون إلى مراكز الاقتراع ويدلون بأصواتهم ؟ ولنضع بعين الاعتبار ما في ذلك المجتمع من مسنين أو معاقين لا يستطيعون الحضور إلى مراكز الانتخاب. ففي أحسن الحالات وفي أكثر الشعوب حيوية لا يزيد مطلقاً عدد الحضور عن 80% من مجموع الناخبين، أي أن العدد سوف لن يزيد عن أربعة ملايين ناخب.
فإذا كان عدد المتنافسين على كرسي الرئاسة أربعة مثلاً أو أكثر، فإن هؤلاء الأربعة سيتقاسمون هذه الأصوات بنسب متفاوتة، فيحظى بهذا المنصب من يأخذ أكبر عدد من الأصوات، فلو أخذ أحدهم –بفوز ساحق- مليوني صوت، وتقاسم الثلاثة الآخرون الأصوات الأخرى. فإن من حصل على مليوني صوت سيصبح هو الحاكم حتماً، ثم يقوم باختيار الهيئة التنفيذية التي ستساعده في تنفيذ الأحكام وتطبيقها على المجتمع.
وبهذا يكون الحاكم ممثلاً فقط لمليوني فرد فقط ،ويعارضه مليونان آخران معارضة فعلية ،وسكت عنه مليون ناخب لم يدلوا بأصواتهم، وفرض نفسه على خمسة عشر مليوناً !!
فهل هذا هو حكم الأكثرية؟!
أم هو حكم الأقلية؟!
ولذلك فإن القول بأن الديمقراطية هي حكم الشعب كذبة كبرى، وأكبر منها أن يقال إن الحكم للأكثرية. وكان الأولى بل الأصح أن يسمى هذا النوع من الحكم : حكم الأقلية للأكثرية ، وليس العكس. سواء من حيث اختيار الحكام، أم من حيث تنفيذها، وحتى أيضاً من حيث تشريعها وسنها قوانين للتنفيذ.