تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقضى خالد في حركته نحو بزاخة أكثر من عشرين يوما يترقب أخبار طيء، وبعد انتصاره على جيش طليحة بن خويلد مكث في بني أسد مدة غير قصيرة ليقبل إسلام المرتدين ويجمع منهم السلاح. أضف إلى ذلك قتاله في ظفر وانتظاره مجيء رؤساء بني عامر.

ويدعي المؤرخون أن مالك بن نويرة قتل خطأ في ليلة شديدة البرد. وعلى ما في كتاب الطبري رواية عن سيف بن عمر أن الأسرى من يربوع حبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء. والليالي الشديدة البرد في البادية تقع في أشد شهري الشتاء بردا، وهما كانون الأول (ديسمبر)، وكانون الثاني (يناير). إذن وقع القتل بين أواخر كانون الأول وأوائل كانون الثاني، فتكون حادثة البعوضة

1

وقعت بين شهري شوال وذي القعدة في السنة الحادية عشرة الهجرية.

يقينا أن خالدا قضى مدة غير قصيرة في البطاح وقضى وقتا في ذهابه إلى المدينة ملبيا دعوة الخليفة. ولما عاد منها لم يحرك جيشه نحو اليمامة بمجرد وصوله إلى المعسكر؛ بل انتظر مدة لورود النجدة التي أمد بها الخليفة جيش المسلمين. فيظهر من كل ذلك أن الحركة من البطاح نحو اليمامة وقعت في أوائل السنة الثانية عشرة الهجرية؛ أي في ربيع سنة 633 ميلادية في شهر آذار أو شهر نيسان (مايو).

ومن رواية رواها أبو هريرة نستدل على أن سلمة بن عمير الحنفي كان يشجع بني حنيفة على المقاومة بعد معركة عقرباء فينادي قائلا: «يا بني حنيفة، قاتلوا عن أحسابكم ولا تصالحوا على شيء، فإن الحصن حصين، وقد حضر الشتاء.» ومعنى ذلك أن الحركات في اليمامة جرت في صيف الثالثة عشرة الهجرية؛ أي بدأت حوالي شهر مايو لسنة 633 ميلادية. (23) منطقة الحركات

اليمامة مؤلفة من مقاطعتي العارض والخرج الحاليتين، ومقاطعة الخرج من أخصب مقاطعات نجد، فالماء مبذول فيها وهو على عمق بضعة أمتار تحت الأرض، ولما كانت أرضا منخفضة تنصرف إليها مياه الأمطار من الجبال والهضاب التي تحيط بها ومدينة اليمامة - العاصمة القديمة - واقعة فيها، ويدعي كثير من الجغرافيين بأن أرض اليمامة القديمة هي مقاطعة الخرج الحالية، وهذه المقاطعة واقعة في جنوب شرقي العارض ويحدها من الشرق وادي حنيفة، وعلى إحدى شعبه اليمنى بنيت مدينة اليمامة. ولا تزال مقاطعة الخرج من أكثر المقاطعات النجدية نفوسا، وفيها مراع خصبة وبساتين نخل كثيرة.

ويحد المنطقة التي جرت فيها الحركات من الشرق هضبة العرمة، وهي الهضبة المرتفعة المشرفة على الدهناء، ومن الغرب الأنفدة الموازية لسلسلة طويق، ومن الشمال مقاطعة القصيم، والمنطقة جبلية تعد من أوعر مناطق نجد من حيث الوديان والمضايق والروابي والآكام.

وتمتد جبال طويق في وسط المنطقة من الشمال إلى الجنوب وهي حجرية كلسية جرداء متموجة تتألف من سلسلتين متوازيتين وسفوحها الغربية منحدرة، أما سفوحها الشرقية فقليلة الانحدار. ويبلغ ارتفاعها زهاء ستمائة قدم على الهضبة الغربية، وتمتد الجبال من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، وتنكسر في الوسط وتغير اتجاهها إلى الجنوب فالجنوب الغربي، فتنتهي إلى وادي الدواسر.

وفي المحل الذي تنكسر فيه تجري الوديان من الشرق إلى الغرب وتصب في وادي حنيفة، وهذه الوديان ضيقة وعرة في محل الانكسار؛ حيث ترتفع سفوحها الشمالية والجنوبية بانحدار شديد.

وتتصرف مياه الأمطار التي تهطل على الجبال إلى الشرق والغرب في الوديان والشعب، فمنها ما يصب في وادي حنيفة، ومنها ما يكون وادي الخفس وشعيب العتش؛ حيث ينصرف مياهها إلى الدهناء، ومنها ما يصب في مقاطعة الوشم ويسقي منخفضاتها، ويكون واحاتها الخصبة. والشعيب الذي يكون وادي الخفس ينبع من جنوبي ثادق ويجري نحو الجنوب إلى الحريملة، ومنها يتوجه شرقا.

وهذا الشعيب ووادي حنيفة يقسمان الجبال إلى سلسلتين؛ الغربية منهما مرتفعة ووعرة وهي طويق، أما الشرقية فمنخفضة ولطيفة الانحدار، وهي روابي العارض في الشمال وجبل صلبوخ في الوسط والجبيل في الجنوب، وأما وادي الحنيفة (وهو أعظم واد في هذه المنطقة) فقد سميت القبائل الساكنة على جانبيه باسمه، وصدره في الأرض الفاصلة بين العارض من جهة والمحمل والسدير من جهة أخرى، ويبدأ الوادي في ثنية اليمامة في شرق خشم الحيسية، ويتكون من عدة شعب تجري من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال، فيستمد الوادي ماءه منها فيجري من الغرب إلى الشرق، وفي جوار عقرباء حيث نشبت المعركة الفاصلة بين جيش خالد وجيش مسيلمة، يغير الوادي اتجاهه فيجري من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي في واد يضيق في بعض المحلات، ويعرض في البعض الآخر وهو شديد الوعورة في الشمال وسهل المجرى في الجنوب، وعلى حافتي الوادي شيدت القرى والمدائن؛ حيث استقيت المياه المنصرفة إليه وزرعت البساتين حولها، والوادي في هذا القسم يتغذى بعدة شعاب ينصب أكثرها من السفوح الغربية.

خالد بن الوليد · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خالد بن الوليدص ٢٢