قال لزوجته - ومَن معها مِن خادم أو ولد -: ﴿امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا﴾: أي انتظروني هنا، فقد أبصرتُ نارًا مُوقدة، وسأذهب لأراها ﴿لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾: أي لَعَلّي أجيئكم منها بشُعلةٍ تَستدفئون بها وتوقدون بها نارًا أخرى ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ يعني أو أجد عندها هاديًا يَدُلّنا على الطريق (وكانَ قد ضَلّ الطريق إلى مصر بسبب ظُلمة الليل)، ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ﴾ يعني فلمّا وَصَلَ موسى إلى تلك النار، ناداه اللهُ تعالى: ﴿يَا مُوسَى﴾ ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ أي خالقك ورازقك ومُدَبِّر أمْرك ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ أي اخلع حذائك، فـ ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ يعني إنك الآن بوادي "طُوَى" المُبارك المُطَهَّر، (وقد أمَرَه سبحانه بخلع حذائه استعدادًا لمُناجاته).
????? وقال اللهُ له: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ - لتُبَلِّغ رسالتي إلى فرعون وبني إسرائيل - ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ إليك مِنِّي: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ أي لا معبودَ بحقٍ إلا أنا ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ وحدي، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ أي لتَذكرني فيها، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾ التي يُبعًثُ فيها الناس مِن قبورهم ﴿آَتِيَةٌ﴾ لابد مِن وقوعها، ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ أي أُبالغ في إخفائها حتى أكاد أُخفيها عن نفسي، حتى لا يَعلم أحدٌ وقت مجيئها، وذلك ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ أي بما عَمِلتْ في الدنيا مِن خيرٍ أو شر، (فالحِكمة من إخفاء الساعة: أن يَعمل الناس وهم لا يدرون متى يموتون ولا متى يُبعَثون، فتكون أعمالهم بإراداتهم، لا إكراهَ عليهم فيها، فيكون الجزاء على أعمالهم عادلاً).
﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: أي فلا يَصرفنَّك يا موسى عن الإيمان بالآخرة والاستعداد لها مَن لا يُصَدِّق بوقوعها واتَّبع ما يوافق أهوائه وشهواته ﴿فَتَرْدَى﴾ أي فتَهلك يا موسى إن أطعتَه.
????? وقد سأله سبحانه - وهو أعلم -: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾؟ يعني: وما هذه التي تحملها في يمينك يا موسى؟، (واعلم أنّ اللهَ سبحانه قد سأله عن العصا ليُقرِّره بأنّ ما بيده عصاً مِن خشب، فإذا تحولت أمامه إلى حيةٍ تسعى: أيقنَ أنها آية أعطاها له ربه ذو القدرة الباهرة، ليُرسله بها إلى فرعون وملئه).
- من الآية 18 إلى الآية 24: ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ أي أعتمد عليها في المشي، ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾: يعني أخبط بها ورق الشجر ليَتساقط فتأكله غنمي، ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ﴾ أي منافع ﴿أُخْرَى﴾ (فقد يُعَلِّق بها الزاد والماء، وقد يَقتل بها الأشياء الضارة كالعقارب والحيّات)، (وقد أطال موسى عليه السلام في هذا الجواب طلباً لمَزيد الأُنس بمُناجاة ربّه تبارك وتعالى)، و ﴿قَالَ﴾ اللهُ له: ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ ﴿فَأَلْقَاهَا﴾ موسى على الأرض ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾: أي فانقلبت العصا - بإذن اللهِ تعالى - وأصبحت ثعباناً عظيماً يمشي على بطنه بسرعة، فخاف موسى وَوَلَّى هاربًا، فـ ﴿قَالَ﴾ اللهُ له: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾: أي خذ الحية، ولا تَخَفْ منها، فإننا ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾: أي سوف نُعيدها عصًا كما كانت في حالتها الأولى، ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ أي ضع يدك اليمنى تحت إبطك الأيسر واضمم عليها بعَضُدك: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ - رغم اسمرار لون جسمك - ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: أي من غير بَرَص، لتكون ﴿آَيَةً أُخْرَى﴾ أي لتكون علامة أخرى مع العصا تدل على أنك رسولٌ من عند الله.
????? وقد فعلنا ذلك ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ أي لكي نُرِيك مِن أدلتنا الكبرى ما يدلُّ على قدرتنا وصِدق رسالتك، فـ ﴿اذْهَبْ﴾ يا موسى - بهاتين الآيتين - ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أي تجاوَزَ الحد في الكفر، وتجاوَزَ قدْره كبَشَر حتى ادَّعى الألوهية، فادعُهُ إلى توحيد اللهِ وعبادته، واطلب منه أن يُرسل معك بني إسرائيل لتَخرج بهم إلى أرض القدس.