هذا في نجد أما في جيزان جنوب المملكة فقد كانت طائفة "السنوسية" الصوفية قد عششت وفرخت هناك ثم تبعها "المرغنية"، وسنذكر حادثة واحدة لتبين لك شناعة التصوف إذا ران على العقول. يقول محمد العقيلي نقلاً عن أمين الريحاني:"عندما توفي شيخ الطريقة المرغنية اشتركت الطرق كلها في حلقة ذكر من أجله ضمت أربع مئة شخص، واستمرت خمس ساعات فبدؤوا بذكر مناقب شيخهم، ثم وقفت الحلقة أربعة صفوف الواحد وراء الآخر ووقف أحد أبناء الشيخ المتوفى في الوسط فحركها باسم الله بصوت هادئ وإشارة لطيفة بدأ بـ"لاإله إلا الله" فمالت الحلقات إلى الأمام ومالت إلى الوراء وراحت تكرر وتردد الشهادة بصوت واحد، ويتدرجون في السرعة والهيجان. والشيخ يدور في الحلقة مستحثًا بقوله: "إلا الله" ويضرب كفاً بكف ويرددون خلفه: "إلا الله". بعد ذلك "الله الله الله" ويرددون خلفه: "الله الله الله" حتى جلس الشيخ، فقام آخر وأخذ يقول وهو يثب: "حيم قيم"، وتتحرك الحلقة معه بسرعة شديدة كأنها تدق رؤوسها في الأرض ثم نطحاً في الجو، ثم استمروا في "حيم قيم" مدة نصف ساعة، وبدأ البعض يسقط صريعاً. ثم نهض أصغر أبناء الميت وهو لا يتجاوز الثانية عشرة وأخذ يرقص ويَتَلَوَّى كالسكران ويقفز كالمجنون، وأخذ يصيح وهم يرددون خلفه حتى سقط الولد كالخشبة بدون حراك؛ فقفز شخص من خلفه وأخذ يضرب رأسه بالحائط حتى سقط صريعاً مغماً عليه، وسقط أحد الشيوخ ولحيته بيضاء طويلة والزبد يسيل من فيه، وهناك آخر يمزق ثيابه، وهكذا حتى انتهت الحضرة" [انظر الصوفية في تهامة 41].
أما الأحساء شرق المملكة فلم تكن أحسن حالاً؛ فقد كان هناك الصوفي "أبو خطوة" حيث يزعم أنه صاحب خطوة بحيث أنه يصلي في الحرم كل ليلة ويعود للأحساء. وهناك أيضاً "عين نجم" حيث يزعمون أنها تقضي على العاهات وتشفي المرضى حتى أن العثمانيين بنوا عليها قبة عظيمة [انظر تاريخ نجد للألوسي 53].