تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كل هذا عندنا واضح، ولكننا كدعاة مسلمين نرشح أنفسنا لقيادة الحياة بدل الفاسق والعاطل والخامنل والخائن واللاهى والظالم، والاجادة المهنية التى حرصت عليها نظرية صناعة الحياة إنما هى لفتح خط التعامل مع الآخرين ، وتراد كوسيلة مبادأة، وهى مثل جهاز هاتف يرفع الداعية سماعته ويقول للآخر: آمن بالله وكن مسلماً وانتصر للمسلمين. فليس جهاز الهاتف غاية، ولا هو المنتهى، وما هو إلا آلة ووسيلة وسبب سماع ومواجهة وحوار، وعلى معدن الكلام وموضوعه التعويل، والله الهادى .

وكان (عبد الحميد) يوماً ما من الناشئة الذين معى، تغمره لذة البداية، فتأجج حماسة بعد درس شرحت فيه قول نوح عليه السلام: ((رب إنى دعوت قومى ليلاً ونهاراً))، وأسف لأنه لا يستطيع الوصول إلى فتيان فى الحى الذى يلى حيه، فتفتق ذهنه عن وسيلة: أن صنع الحلوى التى نسميها (المكاوية) وذهب يبيعها بثمن بخس لهؤلاء الفتية الذين رنا إليهم، فأصبح الخط بينه وبينهم سالكاً، وأصبح يشافههم متى شاء، ويبشرهم بالبشائر الدعوية، وصار لهم معلماً وهو القرين.

والناس تنتظر منا الخدمة، وتظن فينا ظن الخير، وقد كنت ذات صباح جالساً بديوان جمعية الإصلاح، فجاء شاب يافع قال لى: أبى وأمى يتشاجران كثيراً، حتى صار بيتنا جحيماً، وأنا وأخوتى الصغار ضحية، فلعل الجمعية تصلح بينهما وتعظهما لنعرف معنى الحياة .

فقلت : يا بنى، نخشى أن نتدخل فى خصوصيات الناس

فقال : كلا ، بل أنتم اسمكم جمعية (إصلاح)، وهذا أول معانى الإصلاح: أن تصلحوا بين الأزواج، وإن لم تصدقوا إسمكم فماذا يا ترى تعملون؟

فأطرقت ملياً وقد أفحمنى وحجنى، وقلت له: بل أنت الصادق، وفهمك الفطرى هو الصحيح يا ابنى.

وأخذته إلى رئيس الجمعية، وقص عليه القصص.

وإن فهمنا لصناعة الحياة مشتق من مثل هذا المنطق الذى أحسنه هذا الفتى اللهفان بالبداهة.

صناعة الحياة · الصفحة ٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

صناعة الحياةص ٩٤