(1) العاقِل: هو الذى يُدرك حقيقة الدٌنْيَا، فهى إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا وإن سرت يومًا وأيامًا ساءت أشهرًا وأعوامًا، وإن متعت قليلاً منعت طويلاً، وهي الآخذة لما أعطت، وما حصل للفرد فيها من سرور إلا وأعقبه أحزان وشرور، سواء عليها ذهاب ما ذهب وبقاء ما بقي.
وقال أحد العلماء في موعظة وعظها: "ألاَّ إن الدٌنْيَا بقاؤها قليل، وعزيزُها ذليل، وغنيها فقير، شابها يهرم، وحيُّها يموت، فلا يغركم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها، والمغرور من اغتر بها ".
(2) العاقِل: هو الذى يُدرك انه اذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية, أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له فالرسول r يقول: " إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (رواه مسلم). فالفائز هو من ترك صدقة جارية، الفائز هو من ترك علماً ينتفع به، الفائز هو من ترك ولداً صالحاً يدعو له.
فالذى يملك كل شركات العالم, والذى يملك كل مصانع العالم, والذى يملك كل أموال العالم, والذى وصل إلى أرفع المناصب, والذى يملك كل الدٌنْيَا خاسر ما لم يستعد للموت بالإيمان والعمل الصالح، فالحق تبارك وتعالى يقول: " وَالْعَصْرِ, إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " (سورة العصر). فالْمَوْت يُنهى كل شئ, الْمَوْت ينهى الغنى وينهى الفقر، الْمَوْت ينهى الصحة وينهى المرض، الْمَوْت ينهى المناصب.
(3) العاقِل: من لا يغيب حدث الْمَوْت عنه يوماً ولا ساعةً، فهو يُدخل الْمَوْت في جميع عباداته من صلاة وصيام وزكاة وحج، يُدخل الْمَوْت في جميع معاملاته، مع أبيه، مع أمه، مع زوجه، مع أبنائه، مع جيرانه، مع زملائه، يُدخل الْمَوْت في جميع حِساباته، يُدخل الْمَوْت عَملاً لا قَولاً.
إن اخطر أنواع التكذيب بالشيء, أي شيء, هو التكذيب العملي, ولا يوجد أحد يستطيع أن يُنكر الْمَوْت قولاً ولكن المشكلة في الإنكار والتكذيب العملي بعدم إدخال الْمَوْت في المعاملات اليومية بعدم إدخاله في الحسابات.
(4) العاقِل: هو الذى يستطيع أن يُفرق بين نِعَم الله عليه: هل هى نِعَم جزاء أم نِعَم ابتلاء أم نعم استدراج؟
فنِعَم الجزاء تكون على ما قدم المسلم من حسنات, فهى تشجيع من الله للانسان، ولذا فهى تدفع المسلم إلى مضاعفة العمل الصالح والمداومة على الاستقامة والبذل والتضحية. وغالباً ما تكون النِعْمة من جنس العمل الصالح " مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" (البقرة 245).
وقد تكون النِعَم نِعَم ابتلاء أيضاً، فالمال الذى يأتى للفرد قد يكون للابتلاء: هل يُنفقه فى الطاعة أم فى المعصية؟ هل يستعلى به على الخلق؟ هل يحمله على المعاصى؟ هل يحمله على ترك الصلاة؟ هل يُلهيه عن مجالس العلم؟.