وإيمانه، وهذا شئٌ مشاهد، فكثير من الأشياء التي في حياتنا والتي نعايشها، وكثير من الأمور التي شاهدناها، أو التي لم نشاهدها: كيف تيقناها؟ كيف حصل فيها هذا اليقين؟ والله عز وجل قد أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً، فكيف حصّلنا اليقين فيها؟
حصّلنا هذا اليقين: إما بالمشاهدة بعد أن كان ذلك معلوماً، أو بالمشاهدة ابتداءً، أو أننا حصلنا اليقين بتوارد الأدلة، فنعلم أن هذا الأمر حق لا يقبل الجدل، وأنه شئٌ ثابتٌ راسخ لا يقبل التشكيك. مع أن هذا الأمر قد يكون في نفسه باطلاً، وقد يكون لا حقيقة له، ومع ذلك تجد الإنسان متيقناً له، وعلى سبيل المثال ما ذكرته في أول مجلس من هذه الدورة أين عقل الإنسان؟! كثير من الناس عنده يقين أن عقله في دماغه مع أن الأدلة من الكتاب والسنة تدل على أن العقل في القلب، فكيف وُجد هذا اليقين عند كثير من الناس؟ كيف وُجد عندهم هذا اليقين في قضية غير حقيقية، وليست بصحيحة أصلاً؟ بتوارد ما توهموه أنه أدلة، حتى صار ذلك عندهم لا يقبل التشكيك، ولهذا تجد الواحد من هؤلاء يستغرب كل الاستغراب، ويستنكر سماع ما يخالف هذه الحقيقة التي رسخت في نفسه.
النقطة التاسعة ثمرات اليقين: والأمور التي يؤثرها في سلوك الإنسان، وفي قلبه، وفي سائر تصرفاته وأعماله:
* أولاً: أن اليقين إذا وصل إلى قلب الإنسان؛ امتلأ قلبه نوراً وإشراقاً، وانتفى عنه أضداد ذلك من الشكوك والريب والشبهات التي تقلقه: فيكون القلب مستريحاً مطمئناً، فيرتفع عنه السخط والهم والغم الذي يجلبه الشك والريب، فيمتلأ قلبه محبة لله، وخوفاً منه، ورضاً به، وشكراً له، وتوكلاً عليه، وإنابة إليه. فهو مادة جميع المقامات، والحامل لها، كما قال ابن القيم رحمه الله [مدارج السالكين 1/ 398]. بخلاف الريب والشك والتردد، فإنه يورث قلقاً في القلب، وضجراً وألماً، والشاك المرتاب يحصل له من ألم القلب ما الله به عليم، حتى يحصل له العلم واليقين، ولهذا كان الشك يوجب له حرارة، وأما اليقين فيوجد له برداً في قلبه ولهذا يقال:' ثَلَجَ صدرُه .. وحصل له برد اليقين' [انظر: بإغاثة اللهفان 1/ 19 - 20]. فتزول عنه هذه الأمور التي تعصر القلب، وتؤلمه، وتعصف به، يقول ابن القيم [الوابل الصيب ص 69 - 70] رحمه الله تعالى، واصفاً مثالاً واقعياً شاهده على سكون صاحب اليقين، وعلى طمأنينته، وعلى رضاه الكامل، وعلى انشراح صدره وسروره وتنعمه -وهذا المثال هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- يقول ابن القيم: سمعته قدس الله روحه يقول:'إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة'. يقول ابن القيم: وقال لي مرة:'ما يصنع أعدائي بي؟! إن جنتي وبستاني في صدري أنَّى رحتُ، فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خَلْوَة، وقتلى شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة'. وكان يقول في محبسه في القلعة:'لو بَذَلْتُ ملئ هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: 'ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا'. -نعمة السجن- التي أورثته خلوة بربه، فحصل له من الأمور التي تورثه