تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اقتداء النبي عليه الصلاة والسلام بإبراهيم في استغفاره لأبيه وأمه

كذلك في هذا الحديث: أن النبي ﷺ في البداية كان يقتدي بأبيه إبراهيم الذي استغفر لأبيه وهو مشرك: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧] فبالمقابل وبالمثل فإن النبي عليه الصلاة والسلام استغفر لعمه أبي طالب لما نزل قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣] ونزل أيضًا: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ أي: إبراهيم ﴿أَنَّهُ﴾ أي: أبوه آزر ﴿عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ أي: عندما مات على الكفر ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤].

إذًا: إبراهيم لم يستمر يستغفر لأبيه، ولما تبين له أن أباه مات على الكفر تبرأ منه، وكذلك النبي ﷺ قيل له: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣] لأن الدين والعقيدة فوق القرابات.

النبي عليه الصلاة والسلام لم يستطع أن يستغفر لأمه، خرج رسول الله ﷺ يومًا إلى المقبرة، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلًا، ثم بكى، فبكى الصحابة لبكائه، ورحموه من شدة بكائه عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي) لأن أمه ماتت على الكفر، فأنزل عليَّ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣] رواه الحاكم وابن أبي حاتم، عن مسروق، عن ابن مسعود.

وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة عن أبيه نحوه، وفيه: (نزل بنا النبي ﷺ ونحن معه قريب من ألف راكب -نزلوا في الطريق عند قبر- لما قدم مكة، ووقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها، فنزلت الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣]).

ولما جاء أعرابي، قال: (يا رسول الله! أين أبي؟ قال: "في النار" فلما خرج ناداه النبي عليه الصلاة والسلام، وقد رأى أنه تأثر، قال: أبي وأبوك في النار).

لا توجد مجاملات في الدين، فالعقيدة فوق القرابات، أبوه وأمه وعمه، لكن في النار، لأنهم كفار ماتوا على الكفر، ولذلك الإنسان فعلًا يصاب بالحسرة والأسى؛ خصوصًا عندما يكون له أب مشرك، أو أم كافرة، لكن ماذا يفعل؟ لا توجد طريقة، إذا قضى الله بالضلالة عليهم، فلا يملك لهم من الله شيئًا.

وهذا من الإعجاز، والله يُعجز خلقه ويبين لهم أن الهداية بيده لا بأيديهم.

سلسلة القصص - المنجد · الجزء ٣ · الصفحة ١٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سلسلة القصص - المنجدج ٣ · ص ١٤