كانت بِيَد الإنسان – وتعْلمون ما معنى هذه الكلمة – الدنيا بِأموالها وبُيوتِها ومُتَنَزَّهاتِها وقُصورِها ومرْكَباتِها وطائِراتها ويُخوتِها ونِسائِها ؛ كُلُّ ما لذَّ وطاب ، لا تسْتطيعُ الدنيا بِأكْمَلِها أنْ تمْنح الإنسان سعادةً ، وهؤلاء الصحابة الذين عاشوا حياةً مملوءةً بالشَّقاء فيما يبْدو ؛ هِجْرةٌ اقتلعت الإنسانَ من جذوره ، لقد هاجَرَ أبو عبيدة إلى الحَبَشَة وإلى المدينة ، وشَهِد كلّ المشاهد ، وكان أكبر مُدافِعٍ عن رسول الله حتى إنه نزع حلَقَةً غُرِسَتْ في وَجْنة النبي عليه الصلاة والسلام بِأسْنانه ، فنزع الحلقة الأولى بِفَمِه فانْكسرت سِنُّهُ الأمامية ، ونزع الحلقة الثانِيَة بِفَمِه فانكسرت سِنُّهُ الأخرى فصار أهتمَ ، ومات بالطاعون ، وهو أمين هذه الأمة ، شَعَرْتُ أنَّ الله عز وجل إذا تجلى على قلب المؤمن بالرحمة أسْعَدَهُ سعادَةً لا توصَفُ ، لا تستطيعُ الدنيا بِأَكْملها إذا كانت بِيَد إنْسان أنْ تمْنحه هذه السعادة ، أقول هذا الكلام أيها الإخوة لكم ولِنَفْسي ، أبواب الجنَّة والبُطولة مُفَتَّحَةٌ وهم لا يزالون في الدنيا ، وأبواب الإقبال على الله مُفَتَّحَةٌ لهم في الدنيا ، فما هؤلاء الرجال ؟! واللهِ إنْ كانوا بشَرًا فَنَحْنُ لسْنا من بني البشر ، وإنْ كُنا بشَرٌ فهم فوق البشر ، هم مُلوك الدار الآخرة ، وما هذا الحُبّ الذي في جوانِحِهم ؟ وما هذا الشوْقُ الذي تنْبضُ بِه قُلوبهم ، كلما قرأتَ تاريخ هذا الصحابي مهما تعدَّدَت مرَّات القراءة تشْعُر أنَّك تَقِفُ أمام إنْسانٍ عظيم ، من أيِّ جامِعَةٍ تَخَرَّج ؟! هل يحْمِلُ دُكْتوراه ؟ كم كِتابًا قرأ ؟ فإذا اتَّصل الإنسانُ بالله أصْبح شيئاً آخر ، يُمْكن أنْ يُلْغى عنده مع الاتِّصال بالله كلُّ شيء ، أرجو الله جلّ جلاله أنْ يُمَكِّنَني من نقْل صورة صادِقَةٍ مُشْرِقَةٍ عن هذا الصحابيّ الجليل الذي هو أبو عُبَيْدة بن الجراح .
سيرة خمسين صحابي · الصفحة ٥٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
سيرة خمسين صحابيص ٥٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي