عنهما: (كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه)، وأعتقد أن هذه الشدة التي كان يعانيها ليست من مجرد تحريك الشفتين، بل مما كان يشعر به من خوف واضطراب من تفلت القرآن، بالإضافة إلى استجماع كل قوته الذهنية لتحصيل الحفظ من أول سماع للآيات، فمن الطبيعي حدوث مثل هذه المشقة ووجه بيان همته العالية هنا، أنه ﷺ حمل نفسه عملا فيه مشقة بالغة، مع أن اللهعز وجل- لم يكلفه به.
الفائدة الثانية:
عناية اللهسبحانه وتعالى- بنبيه الكريم ﷺ، وتتبين مظاهر هذا الاعتناء في:
١- رؤية المولىسبحانه وتعالى- لكل أحواله ﷺ وهي رؤية خاصة، أي رؤية عناية لا رؤية إحاطة، ودليله أن اللهسبحانه وتعالى- إذا رأى منه تحريك اللسان والشفتين، فمن باب أولى قد رأى ما هو أكثر من ذلك وأعظم.
٢- إنزال المولىعز وجل- قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، يثبت للنبي ﷺ تلك المعالجة، والعجيب أن الآية الكريمة لا تثبت المشكلة- وهي استعجال النبي ﷺ حفظ القرآن- وحلها فحسب، بل تثبت قيام النبي ﷺ بتحريك لسانه، ولولا علو شأنه ﷺ عند ربه، ما ذكرت الآية أقل الأمور- في نظرنا-، وهو تحريك اللسان.
٣- إرادة المولىسبحانه وتعالى- رفع تلك المشقة عن نبيه ﷺ قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
فلم يأمرهسبحانه وتعالى- أن يحفظ القرآن بعد انصراف جبريل عليه السلام بل وعده أن يجمعه له في صدره ويقرأه كما قرأ جبريل عليه السلام دون أدنى كلفة أو معاناة من النبي ﷺ، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذ آتاه جبريل استمع فإذا انطلق قرأه النبي ﷺ كما قرأه) .
يتفرع على ذلك: عظيم عناية المولىسبحانه وتعالى- بالقرآن العظيم حيث تكفل بحفظه في صدر النبي ﷺ ولم يوكل هذا الحفظ لمخلوق سواء من البشر أو من الملائكة لقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
فالجمع في الصدر من الله، أو في أقل تقدير بأمر اللهسبحانه وتعالى- أما قوله: فَإِذا قَرَأْناهُ
، أي تلوناه، فالتلاوة قطعا من جبريل عليه السلام وإن كان نسب القراءة إليه سبحانه، وذلك لبيان أنه سبحانه هو الآمر بها.
وبذلك ضمن اللهعز وجل- لهذه الأمة عدم وجود أي اختلاف بين القرآن الذي في اللوح المحفوظ، وبين ما جمع في صدر النبي ﷺ فالذي نزل به من اللوح المحفوظ، هو