وإنَّ أمثال هذه التوجيهات في القرآن والسنة التي لا تكتفي بطلب مشاهدة الأشياء بل تلفت النظر إلى عللها ، لهي التي بعثت الأمة الإسلامية تطلب العلم من مصادره التي كانت متاحة يومئذ ، ثم تنشئ من بعد حركتها العلمية الذاتية التي تتلمذت عليها أوربا فأنشأت نهضتها .. وكان أبرز ما فيها منهج المشاهدة والملاحظة والتجريب ، الذي يقوم على أساسه كل التقدم العلمي الحاضر .
كذلك يطلب القرآن من العقل البشري أن يتأمل في حكمة التشريع ( بقدر ما يُتاح له ) حتى إذا طبقه كان تطبيقاً واعياً متفهماً ، فتختتم كثير من آيات الأحكام بمثل هذا التعقيب : ( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) [ النور : 61 ] .
وهذا التوجيه هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي ، وهو أثمن ما أنتجه العقل المسلم من روائع ، وما يزال هذا النتاج حياً وقابلاً للحياة والنمو ما دامت الحياة ..
كما أن الإسلام وجَّه العقل البشري إلى تدبر السنن الربانية التي تسيِّر حياة البشر على الأرض : ( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) [ الفتح : 23 ] .
( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) [ الرعد : 11 ] .
( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [ الروم : 41 ] .
( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) [ الإسراء : 16 ] .
( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) [ الأعراف : 96 ] .