وذلك هي الحكمة الكبرى من إرسال الرسل بشراً ، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، حتى لا يقف اختلاف الجنس حائلاً بين الناس وبين الاقتداء برسولهم فيما يفعل وما يقول ، وحتى تتمثل الأسوة للبشر في واحد من جنسهم ، له ذات تركيبهم ، وذات مطالبهم ، وذات ضروراتهم البشرية من طعام وشراب وملبس ومسكن .. إلخ .
حقيقة إن الرسل - إذ يصطفيهم الله ليبعثهم إلى الناس - يصوغهم صياغة خاصة تتناسب مع هذا الأمر العظيم ، وتكون لهم طاقات تفوق طاقات البشر العاديين ، فضلاً عن أن نزول الوحي إليهم واتصالهم المباشر بالله عن طريق الوحي يعمق في نفوسهم معاني لا يمكن أن تبلغ ذلك المدى عند البشر العاديين .
نعم ، ولكن هذه خصوصيات يختص الله بها رسله ولا يكلف البشر أن يصلوا إليها ، لا يستطيعون الوصول إليها بجهدهم البشري ! ولكن المهم في الأمر أن صفة البشرية لا تفارق الرسول : ( قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً ) [ الإسراء : 93 ] .
( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) [ الكهف : 110 ] .
ومن ثم فالقدوة فيه متمثلة فيما ليس من خصوصيات الرسل وهذا هو الذي يكلف الله به عباده : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) [ التغابن : 16 ] .
( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ) [ البقرة : 286 ] .
أي ان كل التكاليف التي كلف الله بها البشر هي في حدود طاقتهم لأنَّ الله لا يكلّف النفوس فوق وسعها ، وهو العليم بحقيقة طاقتها .
أما حكمة إرسال الرسل بلغات أقوامهم فهي واضحة بلا شك : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) [ ابراهيم : 4 ] .