وقد يتوصل بعضهم بالفعل إلى نظرة عميقة شاملة ، ودراية – نظرية – بالنفس البشرية وطبيعتها ، ولكنهم – وهم بعيدون عن ميدان التجربة الواقعية ، والاتصال المباشر مع الناس – لا يستطيعون أن يقدموا حلولاً واقعية قابلة للتطبيق ، فيظل جهدهم محصوراً في تقديم أفكار جميلة براقة ، قد تعجب القارئ أو السامع لأول وهلة ، ولكنها نادراً ما تحركه لعمل شيء في عالم الواقع . فيظل المجتمع بعلله وانحرافاته على ما هو عليه ، وتظل أفكار الفيلسوف البراقة مُثُلاً معلقة في الفضاء ! وتبحث في التاريخ عن الآثار الباقية لهؤلاء الفلاسفة فلا تجد إلا تأثرات فردية ، ولا تكاد تجد مجتمعاً تحول عن طريقه أو قوّم انحرافاته نتيجة فِكْرٍ فكّر فيه فيلسوف ! إلا أن يعتنق فكره قوم من الناس فيتحول في نفوسهم إلى عقيدة يقومون بالدعوة إليها والجهاد في سبيلها ، وعندئذ تؤثر – لا بذاتها ، ولا بعمل الفيلسوف الذي فكَّر فيها – وإنما بجهد الذين اعتنقوها ودعوا إليها . وكثيراً ما يتضح عند التطبيق أن أفكار الفيلسوف في صورتها التي قدمها بها غير قابلة للتطبيق العملي ، وأنها في حاجة إلى تعديلات جوهرية أو صياغة جديدة ليمكن الاستفادة بها في عالم الواقع .
* * *
أما الأنبياء فشأنهم مختلف .
1- إنهم أولاً يتكلمون بأهوائهم ولا بتصوراتهم الخاصة ، ولا بتصورات البشر القاصرة المحدودة ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) [ النجم : 3 ، 4 ] .
لذلك فإن ما يدعون إليه الناس من قيم ومثل ومبادئ وأخلاق وسلوك عملي ليس متأثراً برؤيتهم الشخصية كالزعماء و " المصلحين " ، ولا بمصالحهم الذاتية أو أطماعهم أو أحقادهم ( كما قامت الشيوعية على الأحقاد ! ) ولا بالقصور البشري الذي يعجز عن الإحاطة ، ومن ثم يعجز عن تقديم الحل الصحيح .