فهذا الفريق الذي ينفي الله عنه الإيمان هو الذي يدعى لتحكيم شريعة الله فيعرض عنها . وسواء أكان إعراضاً قلبياً ، أم إعراضاً ظاهراً ، فكلاهما ينفي الإيمان ويلغي حقيقة الشهادة التي ينطقون بها بأفواههم ؛ لأن الله يقرر في آية سورة النساء التي سبقت الإشارة إليها أن التسليم القلبي شرط للإيمان : ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ) .
ثم يمضي السياق بين حال أولئك المنافقين : أنهم إذا أعجبهم حكم الله في أمر من الأمور ، أو رأوه يحقق مصلحة لهم يأتون إليه مذعنين ، ويندِّد القرآن بهم على هذا السلوك المعوجّ ، الذي يتحاكمون فيه إلى شريعة الله مرة ويعرضون عنها مرة حسب الأهواء والمصالح بعد أن ثبت عليهم وصف عدم الإيمان .
أما المؤمنون فحالهم مختلف ، وآية إيمانهم أنهم يتحاكمون إلى شريعة الله . ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
وتقرر الآية الأخيرة أن هؤلاء الذين يتحاكمون إلى شريعة الله ، ويطيعون الله ويخشونه هم الفائزون حقا .
من ذلك يتبين لنا بوضوح أن المحك الحقيقي للإيمان هو التحاكم إلى شريعة الله . وأن الناس إن قالوا بألسنتهم : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، وإن أدُّوا جزءاً من العبادة المفروضة ثم رفضوا الالتزام ببقيتها فما هم بمؤمنين .