تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان يضرب الضربة بيمينه، ثم يلتفت حواليه في الأفق الأعلى، كأنه يتعجل قدوم الملاك الذي سيقبض روحه، ثم يصحبها الى الجنة..

أجل.. فلقد سأل ربه الشهادة، وهو واثق أن الله سبحانه وتعالى قد استجاب له..

وهو مغرم بأن يخطر بساقه العرجاء في الجنة ليعلم أهلها أن محمدا رسول اله ﷺ، يعرف كيف يختار الأصحاب، وكيف يربّي الرجال..!!

**

وجاء ما كان ينتظر.

ضربةسيف أومضت، معلنة ساعة الزفاف..

زفاف شهيد مجيد الى جنات الخلد، وفردوس الرحمن..!!

**

واذ كان المسلمون يدفنون شهداءهم قال الرسول عليه الصلاة والسلام أمره الذي سمعناه من قبل:

" انظروا، فاجعلوا عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد، فانهما كانا في الدنيا متحابين متصافيين"..!!

**

ودفن الحبيبان الشهيدان الصديقان في قبر واحد، تحت ثرى الأرض التي تلقت جثمانيهما الطاهرين، بعد أن شهدت بطولتهما الخارقة.

وبعد مضي ست وأربعين سنة على دفنهما، نزل سيل شديد غطّى أرض القبور، بسبب عين من الماء أجراها هناك معاوية، فسارع المسلمون الى نقل رفات الشهداء، فاذا هم كما وصفهم الذين اشتركوا في نقل رفاتهم:

" ليّنة أجسادهم..

تتثنى أطرافهم"..!

وكان جابر بن عبد الله لا يزال حيا، فذهب مع أهله لينقل رفات أبيه عبد الله بن عمرو بن حرام، ورفات زوج عمته عمرو بن الجموح..

فوجدهما في قبرهما، كأنهما نائمان.. لم تأكل الأرض منهما شيئا، ولم تفارق شفاههما بسمة الرضا والغبطة التي كانت يوم دعيا للقاء الله..

أتعجبون..؟

كلا، لا تعجبوا..

فان الأرواح الكبيرة، التقية، النقية، التي سيطرت على مصيرها.. تترك في الأجساد التي كانت موئلا لها، قدرا من المناعة يدرأ عنها عوامل التحلل، وسطوة التراب..

رجال حول الرسول · الصفحة ٣٥٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رجال حول الرسولص ٣٥٧