تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و قوة العلم تلك التي بها. عنى بلوغها اشدها. تكسب النفس ما يكفيها في حياتها من التّصوّرات عن حقيقة نفسها و حقيقة الكون حولها و حقيقة ربوبية و الوهية الله الذي له الخلق و الامر، و من القيم الخليقة التي تبين لها كيف نقف من كل تصور من تلك التصورات.

و قوة الارادة تلك التي تقف على مفترق الطرق المكشوفة للقوة السابقة. من طريق الحق و الخير من التصورات والقيم. و طرق الباطل و الشر من هذه و تلك. تتصدى الاختيار. و لابد في القول في قوتي العلم و الارادة من تفصيل نقدمه اليك فيما يلي:

اما قوة العلم فلها اسباب ثلاثة تسبخدم النفس كلا منها لكسب نوع من انواع العلم، فالاول منها البصر، و هي قوة النفس عاملة عن طريق استخدام العين، ترى بها النفس آيات الله في الآفاق و في الأنفس من علم الشهادة.

و الثاني القلب (الفؤاد) و هي قوة النفس -ايضاً. تجعل من مدركات البصر ادلة على ذات الله و صفاته و حقائق في عالم الغيب. (الذي هو غائب عن البصر، الذي انما يدرك ما تأخذ العين منه صورة مماله شكل و لون)، فتدرك من التصورات عن ذلك مافيه الكفاية.

و الثالث السمع. و هي قوة للنفس -ايضاً- عاملة عن طريق استخدام الاذن، تتلقى ما ليس من عالم الشهادة فيراه البصر، و لا مما وراء ذلك فيدركه القلب: الا و هو الحكم الرباني و الشرع الالهي الذي ينزل لينسق بين حركات الإنسان الاختيارية و حركات التسخيرية؛ و بينها -ايضاً- و بين حركات سائر اجزاء العالم، بعد ان اعطى كل شيء من المسخرات -في خلقه و برئه و تصويره و تسويته و تقديره- ما لا تكون الحركة الناشئة منه الا متناسقة و حركات سائر الاشياء؛ و اعطي كل ذي ارادة ما تكون الحركة الناشئة منه ... -التي يرضاها الله و يامر بها- متناسقة و تلك الحركات. و تتلقى بها -كذلك. هدايات علوية للبصر و القلب لاغني لهما عنهما في قيامها بما عليهما من التكاليف.

ثم ان للقلب -بعد ذلك- شيئاً آخر؛ الا و هو الرتفاع بالرهب و الرغب إلى الله الرحمن الرحيم مالك (و ملك) يوم الدّين، عن الارتكاس في الزهبة و الرغبة إلى مالاً يخلق شيئاً و هو يخلق و لا يملك لنفسه ضراً و لا نفعاً، و لا يملك موتاً و لا حياةً و لا نشوراً.

و بعد هذا الّذي يحدث من الانقلاب و التفؤد (التوقد) يأني (1) لقوة الارادة -و هي (اي الارادة) مما يتصف به القلب. ان تسلم لربها الذي له الخلق و الامر تسليماً؛ و تختار سلوك سبيل الحق و الخير متوجهة للذي فطر السموات و الارض حنيفة و ما هي من المشركين، اختياراً يصبح به المريد عابداً لله مستعيناً كما ينبغي، لا يضره ان تضيق مجال العمل و ابداً ما في النفس من عزمات سنن تسخيرية ليس بيد الإنسان و لا من كماله تبديلها و تغيرها.

(1) - مضارع أنى اني.

رسالة في علوم الحديث · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسالة في علوم الحديثص ٥