سأستعيد ذكرك متكلما في خلوتي، لأسمع منك حكاية غمومك وأطماعك وآمالك، حكاية البشر المجمعة في فرد واحد، وسأتسمع إلى جميع الأصوات علي أعثر فيها على لهجة صوتك، وأشرح جميع الأفكار، وأمتدح الصائب من الآراء؛ ليتعاظم تقديري لآرائك وأفكاري، وسأتبين في جميع الوجوه صور التعبير والمعنى لأعلم كم هي شاحبة تافهة؛ لأنها ليست صورة تعبيرك ومعناك، وسأبتسم في المرآة ابتسامتك في حضورك، وسأتحول عنك إلى نفسي لأفكر فيك، وفي غيابك سأتحول عن الآخرين إليك لأفكر فيك!
سأتصورك عليلا لأشفيك، مصابا لأعزيك، مطرودا مرذولا؛ لأكون لك وطنا وأهل وطن، سجينا لأشهدك بأي تهور يجازف الإخلاص، ثم أبصرك متوقا فريدا؛ لأفاخر بك، وأركن إليك.
وأتخيل ألف ألف مرة كيف أنت تطرب، وكيف تشتاق، وكيف تحزن، وكيف تتغلب على عادي الانفعال برزانة وشهامة؛ لتستسلم ببسالة وحرارة إلى الانفعال النبيل؟ وسأتخيل ألف ألف مرة إلى أي درجة تستطيع أنت أن تقسو، وإلى أي درجة تستطيع أنت أن ترفق؛ لأعرف إلى أي درجة تستطيع أنت أن تحب!
وفي أعماق نفسي يتصاعد الشكر لك بخورا؛ لأنك أوحيت إلي ما عجز دونه الآخرون.
أتعلم ذلك، أنت الذي لا تعلم؟ أتعلم ذلك، أنت الذي لا أريد أن تعلم ...؟ •••
هناك في تلك الزاوية الضائفة، حيث أقام القدر من دواهيه على صدري جدران الحديد ومعاقل الرصاص، وهنالك قرب حلول الشفق، برزت فجأة أمامي، وأخذت تتكلم عن معان اختفت طي المعاني؛ وأشياء توارت في الأشياء، وممكنات حجبت في المستحيلات ... وكانت يدك تتحرك متريثة متأنية فبدت الإشارات سحرية ساهية، كأنما هي انعكاس إشارات خفية على المرايا المتبحرة في مهجور القصر، وضاء الجو حولي بلألاء الشرف والأبهة والسؤدد، ومشى نظرك توا إلي يكتشف في جديد العوالم!
نظرت فعلمتني إعزاز الوجود، وأدركت أني ما تخيلت أجلي عند حينه إلا لأتشدد وأتحفز لوثبة كبيرة، كما يتنفس المتسابقون منتعشين متجددين قبيل خطير الأشواط.
فارتدت الحوائط قليلا قليلا، وتنحت الحصون مسفرة عن المروج والرياض، واتشحت الكائنات بنقاب وسيم لا تنسجه سوى يد الوجود على زعيم المتيمين! ولكن، أنى جاء الوجد؟
أنت لم تكن تهتم بي وأنا لم أكن أهتم بك، ولكن علام تشل أوصال روحي للدنو من مكان حللته؟
وعلام اضطرابك وارتعاش يديك إذ تلمح خيالي عن بعد؟
أنت لم تكن تنظر إلي، وأنا لم أكن أنظر إليك، ولكن لماذا كانت تتبلبل خواطري، وأهرب عند قدومك؟
وأنت إن لم تستطع السكوت فلماذا يخرج صوتك متقطعا متهدجا كأنك تجاهد لتقهر تأثرا ما؟
أنت لم تكن تعبأ بوجودي، وأنا لم أكن أعبأ بوجودك ... ولكن لماذا كنت أخاشنك متعملة الإعراض وعدم الانتباه؟ لماذا وأنت مثال الوداعة والتهذيب، كنت تكفر لحضوري وتنقبض كمن يود أن يتجنى علي أو كمن يخشى أن يرمي بالبشاشة والمجاملة، ثم يعود نظرك في المرة التالية يستصفحني عن زلته؟ أنا التي كنت أغتفر لك وأتناسى قبل أن تحدث نفسك بالاستغفار!
أنت لم تكن تفكر في، وأنا لم أكن أفكر فيك، ولكن لماذا كنت أحيد عن طريقك لئلا ألتقي بك، وأنا التي أود أن أبحث عنك في كل مكان؟ ولماذا كنت تتقن خطواتك إذ تعلم أني أراقبها؟ وتنغم نبرات صوتك وتنوعها إذ تعلم أنها واصلة إلي؟
أنت لم تكن لي شيئا، وأنا لم أكن لك شيئا، ولكن وجوه القائمين حولك كنت أراها متألقة بنورك، وأنت كانت تدهشك كل حركة مني كأنها لم يأتها قبلي إنسان!
أنت لم تكن لي شيئا، وأنا لم أكن لك شيئا، ولكن أليس أن إرادتك حلقت فوق خواطري كيد آمرة، فتقت لأجلها إلى الطاعة والخضوع؟ أوليس أنك كنت تحاول إرضائي وإثارة إعجابي حتى ارتفعت بذلك فوق ذاتك المألوفة فتجليت بهيا عظيما؟
من أنت؟ وماذا كنت؟ أكنت وحيا من فيض شاعريتي المكتظة، وطيفا من أطياف شوقي وعذابي؟ أم أنت حقيقة محسوسة مرت في أفق حياتي مرور السفن في البحر إلى الشواطئ النائية؟ ...