لا أثبت لك حبي إلا لتثبتي لي كبرياءك، ولا تقوم هذه الكبرياء ولا تثبت إلا بتعذيبي، والأساليب التي تخفين وراءها حبك بطبيعة الاحتراس الغريزية فيك، هي بعينها التي تعذبني بطبيعة الجرأة التي في، وما قالت امرأة مثلك عمن تهواه: إني أحبه! إلا وكأنها قالت: إني أعذبه!
ولقد تركتني وما أظفر منك بساعة رضا إلا رأيت في يدي معجزة، وكأني أمسكت من الزمن ساعة كانت هاربة في الأبدية!
يا حرة قلبي منك!
6
ويا رحمتاه لكل من عشقوا.
إن الحبيبة على أنها سرور محبها، وليس له عندها مذهب إلى متاع أو لذة في كل ما وسعت الدنيا، فإن سرورها هي بالمحب لا يهنئها إلا أن تراه بها معذبا ولها صبا وفيها مدلها
7
وقد أحرقه الوجد وأضناه التيم
8
وأهلكه حزن الهوى؛ إذ لا تكون عند نفسها معذبته إلا من أنها حبيبته، ولا تثبت لنفسها القدرة عليه إلا بمحق المقاومة فيه، ولا تتم كبرياء أنوثتها إلا بتمام الدل عليه، ولا يتأله فيها الجمال يعذب ويثيب إلا بتحقيق العبودية فيه تخاف وتطمع، فتبدع ما تبدع في إيلامه وتعذيبه ولو تتابعت له بالسوء؛ لأن ذلك هو عمل كبريائها وسرورها.
وقد تعذبه في بعض دلالها أشد العذاب، وهي تحبه حبا ليس عليه صبر، كما كانت تفعل لو أنها كانت تبغضه بغضا ليس فيه مبالاة، وبذلك تجمع عليه الشبهة والحقيقة، وما أمر عذاب من وجد الضروري له مستحيلا عليه.
فأوجاع المحب وأحزانه كآلام الفريسة وأوجاعها، كلاهما بالغة السلبية في الحبيبة والمفترس: وصف كامل لسطوة وحش ...
وإني لأحسب طبيعة الفرار التي ركبت في المرأة
9
قد خلقت فيك أنت على الضعف، حتى لأراك دائما كالهاربة عني وإن كنت إلى جانبي، وحتى إن معاني كلماتك في الحب لتفر من كلماتك، وكأنك تحترسين بغريزة وحشية بالغة في وحشيتها.
10
وإن حقيقتك لا تزال وراء آلاف وآلاف من ظنوني، كأنما لها هي أيضا معنى اختباء الوحش في ألفاف الغابة وأشجارها فإذا أنت رضيت فأيسر ما توصفين به أنك جذابة إلى حد فظيع في التأثير، بل متوحشة في الجاذبية والسحر والفتنة.
وإذا أنت هجرت فأحق الكلام الذي توصفين به أنك في الهجر بلا رحمة ولا شفقة، متوحشة ... متوحشة ...!
| أما قبل
«كتبها إليها بعد أول مجلس كان لهما يصف ذلك المجلس»:
لم يقولوا في لغتنا (أما قبل) كما أقول أنا يا حبيبتي، ولم تخطر لأحد قط، ولا يصححها وجه ولا تعليل، ولكني أضعها من أجلك، وما أشك أنها ستكون عبارة معشوقة من أثرك وأثر الحب عليها: وأقولها لك ولا أرتاب في أن ألسنة المحبين سترمي بها في كل زمن مراميها عند كل حبيبة ...
إنها كلمة حنانة، فيها الحب والذكرى، وفيها من نفسي ومن اللغة ومنك، وهي غريبة باللغة الغرابة؛ لأني صنعتها صنعة قلب لا صنعة لسان، ففيها الفن أي سر الحسن، أي حروف التصوير، أي المجلس الذي كان لنا أمس.
ويد المصور الملهم الحاذق لا تمر على الصورة بحركات الرسم وخطوطه، بل بحركات الفكر والقلب، ورعشات اللذة والألم، مستفيضة بالوحي الذي من لغته الخطوط والأبعاد والظلال والألوان. فما الرسم إلا الوجه الممكن لاتصال الإنساني من الفكر بالإلهي في الأشياء لخلقها مرة ثانية، وكذلك ليست (أما قبل) إلا الوجه الممكن عندي لاتصالي بأمس، وانتقال قطعة كانت من وجودنا في وقت إلى وجودنا في كل وقت، وخلق ما كان من قبل خلقا تصويريا في كلمة.
قالوا (أما بعد) وسموها فصل الخطاب
1
وأنا أقول (أما قبل) وأسميها وصل الماضي؛ وبها نجعل لما فاتنا مما نحبه أو نؤثره لسانا، ونعيد إليه الصوت، ونفتح له باب الساعة التي نكون فيها، ونخترع للمحبين لفظا سحريا لم تستطع حواء بجنة خلد أن توحيه لآدم، وأوحيته أنت لي بمجلس حبك في لحظة! ••• «وأما قبل» ... فبماذا أصف مكانا للحب كأنما مر به سر الخلود فإذا الوقت فيه لا يشبه نقصانا من العمر بل زيادة عليه، وكانت يا حبيبتي كل دقيقة وثانيتها في مجلسك الساحر كأنما بعض الفكر والحس لا بعض الزمان والمكان؟