وأما بعد، فإننا لا نعرف في تاريخ الأدب العربي كله رسالة كتبت من هذا الطراز، على كثرة كتاب العربية وكتبها، وعلى ما أبدعوا في فنوان الترسل، وعلى أن هذه العربية من أوسع لغات الدنيا فيما خصت به المرأة، وما أوقعته على صفاتها، وما أقامته على العاطفة إليها، وما حفلت به من ألفاظ معانيها، حتى لو أمكن أن ترسل لغات الأمم ألفاظها تستبق في المعاني النسائية، لما كان السبق إلا للألفاظ العربية، ولا أوفى على الغاية إلا المعجم العربي وحده!
وفي تاريخ أدبنا ممن اشتهروا بالعشق من نكاثر بهم في هذا الباب، ومن أشهرهم: مجنون بني عامر
2
وصاحبته ليلى، وقيس بن ذريح ولبنى، وتوبة وليلى الأخيلية، وكثير وعزة، وجميل وبثينة، والمؤمل والذلفاء، ومرقش وأسماء، وعروة وعفراء، وعمرو بن عجلان وهند، والمهذب ولذة، وذو الرمة ومية، وقابوس ومنية، والمخبل السعدي والميلاء، ووضاح اليمن وأم البنين، وبشر وهند، وابن أبي ربيعة والثريا (وثريات كثيرة ...) والأحوص وسلامة، ونصيب وزينب، وأبو العتاهية وعتبة، وابن الأحنف وفوز، وأبو الشيص وأمامة، وابن زيدون وولادة، وكثيرون وكثيرات ...
اشتهر من شعراء الغزل خاصة كثيرون، منهم: ابن أدينة، وابن الدمينة، وابن الطثرية، وابن ميادة، وابن مطير، وابن أبي ربيعة، وابن ذريح، والعرجي، والمجنون، وقيس بن الحطيم، وسويد بن أبي كاهل، وكثير الذي قالوا فيه: لو رقى المجنون بشعره لأفاق، وجميل، ونصيب، ووضاح، وعباس بن الأحنف، والخليع، والوأواء، وابن الخياط، وابن زيدون، ومن لا يحصى في المشرق والمغرب والأندلس.
3
واشتهر من الشاعرات المتظرفات الجميلات الموقوفات على الحب: الذلفاء، وعنان جارية الناطفي، ويقولون: إنها أشعر الناس، وجنان صاحبة أبي نواس، وفضل الشاعرة جارية الخليفة المتوكل، وكانت أفصح أهل زمانها وكانت تهاجي الخنساء الشاعرة جارية هشام المكفوف، وعشقت الكاتب البليغ سعيد ابن حميد، وللمتوكل بنان ومحبوبة أيضا، وهما شاعرتان، وفي الأندلس: نزهون الغرناطية، وولادة، وحمدة الملقبة بخنساء المغرب ... وكثيرات غيرهن استوفينا أسماءهن في تاريخ آداب العرب.
وحفل تاريخ العرب بالقيان الظريفات الغزلات، ولا تكاد أسماؤهن تحصى، وهن سر الغزل الحي البديع الذي انفردت به تلك العصور، ولم يظفر الأدب العربي بمثله من بعدها إلى اليوم.
4
وجاء في آدابنا العربية من المؤلفات المعجبة التي أفردت للحب ومعانيه وأهله وأخبارهم ونوادرهم وأشعارهم كتب مجردة: منها كتاب الزهرة الذي ألفه الإمام محمد بن داود الظاهري فقيه أهل العراق
5
وقد جعل كتابه في مائة باب وهو القائل: ما انفككت من هوى منذ دخلت الكتاب! ثم الظرف والظرفاء، وكتب مؤلفه الكثيرة في هذه المعاني،
6
ثم مصارع العشاق الذي وضعه أبو بكر البغدادي السراج المتوفى سنة 509ه وجعله اثنين وعشرين جزءا، وهو أصل لكل ما وضع بعده من الكتب: كأسواق العشاق، وديوان الصبابة، وتزين الأسواق، ومنازل الأحباب، وغيرها ... ومع كل ما رأيت فقد انفرد الشعر وحده بالنسيب والغزل وأوصاف الجمال، وليس لنا كتاب واحد في رسائل الحب، ولا نعرف أحدا من البلغاء كتب فيها، ولعل هذا راجع إلى أن تلك الطريقة استقل بها الشعر في الصدر الأول فقلد الباقون، وأخذوا في مدرجتهم من بعد.
وكأن هذا الباب عندهم مما يرون للشعر به اختصاصا، فهو سبيله دون الكتابة والخطابة؛ لمكان الوزن في الشعر، فتجيء الرسالة الغزلية لحنا غنائيا من طبيعتها، ثم لأنه قد تقرر عندهم أنه يحسن في الشعر من فنون الكذب والمبالغة ما لا يطرد في النثر، حتى إن أكثر الرذائل - كالهجاء ووصف الخمر والمجون - كان ظرفها الشعر، وهي فيه سائغة وفي غيره منكرة، ولا يأتي منها في المنثور إلا قليل.