تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| رسالة للتمزيق ...1

وكم حار عشاق ولا مثل حيرتي

إذا شئت يوما أن أسوء حبيبي

وهل لي قلب غير قلبي يسوؤه

ويأخذ لي في الكبرياء نصيبي؟

ألا ليت لي قلبين: قلب بحبه

مريض، وقلب بعد ذاك طبيبي

ويا ليت لي نفسين: من رئم روضة

ألوف، ومن ذي لبدتين غضوب

وكيف بقلب واحد أحمل الهوى

عجيبا على طبعي وغير عجيب

فوالله إن الحب خير محاسني

ووالله إن الحب شر عيوبي •••

هذه رسالة لن أبعث بها، رسالة مني أنا وإلي أنا، أكتبها اليوم لأقرأها غدا، فقد - والله - كاد هذا الحب يجعلني على اختلاف أيامه أشخاصا مختلفين متناكرين، حتى إنه ليحتاج شخص الغد أن يتعرف ماذا كان خبر شخص الأمس؟

أكتبها لنفسي، ومتى تنفس غد هذا اليوم النحاسي

2

من فجره الذهبي، وأخذت تتسلى هموم يوم في يوم آخر، وضربت موجة من الزمن موجة أخرى فهزمتها إلى الساحل الذي تموت فيه الأمواج، ساحل النسيان المحيط ببحر الحوادث؛ لتتكسر عليه أمواجها العاتية ضربة ضربة. ثم تنسحق وتتلاشى - فحينئذ أقرأ في رسالتي هذه تاريخ الألم الذي بلغ مني الغيظ، ودك أطوادا شامخة من الصبر كنت ألوذ بها في رمضاء الحب، حتى عادت ظلاما كظلال الحصى لا تفيء إليها النملة ...

وأقرؤها ثم أمزقها من سطرها الأعلى إلى سطرها الأسفل، ثم أنحي عليها من كل جهة تقطيعا حتى أدعها مزقا بعدد كلماتها، ثم أبسط بها كفي إلى الريح، وأقول لها: أيتها الريح التي لا يستطيع أن يرد هبوبها أحد ولا أن يلويها عن وجهها، إن هذا كله ريش طائر من طيور الحب ذبحه الهجر فخذيه إلى حيث لا تلتقي واحدة بواحدة، وانثريه في أمكنة منسية، فإنك تبعثرين به خفقات هذا القلب الذي يحاول أن ينسى ! •••

واها لحوادث الحب، كأنما هي تقع لتغير من الحياة في أيام قليلة ما يغير العمر الممتد في سنوات متطاولة. سل الشيخ الفاني الذي أوفى على المائة فأصبح عمره في الإنسانية صفرين إلى عود

3 ... سله: من أنت؟ يقل لك: أنا الذي كنت أنا من أربعين! بل خمسين بل ستين سنة، ... وسل المحب الذي أضناه الحب. من أنت؟ يقل لك: أنا الذي كان هو من شهر أو شهرين أو ثلاثة! ... وسلني أنا في الهجر لا بل دعها هي تسألني ...

ألا إن شر الحوادث هي تلك التي تنزل بنا فلا نعرف منها إلا أننا كنا نعيش من قبلها، وتتقدم الحياة يوما بعد يوم، ولكن الحي جامد في مكانه من الزمن على ألم يتوجع له ما يبرح أو ذكرى يحن إليها ما يزال!

أنا منذ شهر أرقب منها كتابا ولا يأتي كتابها، ففي كل يوم غضب على أثارة قبله،

4

وكنت أرى أن الحب هو الطريقة التي يعثر بها الإنسان على روحه وهو مغشي بماديته، فيكون كأنه في الخلد وهو بعد في الدنيا وأكدارها، فأصبحت أرى الحب كأنه طريقة يفقد بها الإنسان روحه قبل الموت، فيعود كأنه ضارب غمرة

5

من الحميم وهو قار في نسيم الدنيا!

ليس لي والله من شدة حبي إياها إلا أن أبغضها وأتجهمها بالكلام النافر الغليظ، وأقول لها ... نعم أقول لها، ثم أقول لها: قبح الله الحب إن كان مثل وجدي بك: لا يؤتي الحياة جمالها إلا يسلبها حريتها واستقرارها معا! وأقول لها، ثم أقول لها: لقد أوقعتني من حبك وهجرك بين الشر والذي هو شر منه ... وأقول لها أيضا: لقد يكون ما نراه من حب المرأة الجميلة فنظنه أبدع ما تحسنه من الرقة والظرف، هو أبدع ما تتقنه من صناعة الكذب بوجهها ...!

ولكن هل تصدق شيئا من هذا، وهي تعلم من فلسفتها، ومن غرائزها أن إرادة البغض إنما هي أقوى دليل على وجود الحب، وهي التي قالت لي ذات يوم: إن ازدراء رجل محب لامرأة يحبها هو حب جديد!

يا ويحي، ماذا أصنع؟

إن سكت علمت علم السكوت، وقالت: محب يأكل الغيظ من قلبه، وإن غضبت لم يفتها معنى الغضب، وقالت: محب يلتمس أسباب الرضا، وإن زعمت السلوة كان الزعم من حجتها، وقالت: محب يصور قلبه غير تصويره!

أوراق الورد · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ١٢