 ورغم اضطراب الأحوال بعد الملك الناصر، إلا أن الأظهر سلامة الإمام الإخميمي رحمه الله من الآثار السلبية لذلك الاضطراب؛ للأسباب التالية: 1- لم يتوف الملك الناصر إلا بعد بلوغ الإمام أشده، فكانت قد اكتملت في العلم آلته، وتمت للإفادة أهليته، ومن بلغ هذه المرتبة مع الحكمة والعقل فإنه يستطيع - غالبا- التأقلم والاستفادة من ظروف عصره، دون أن يكون لها الأثر السيء عليه، وعلى أهدافه في الحياة ومسيرته. 2- كان الإمام الإخميمي رحمة الله معروفا بالتواضع، والإعراض عن المناصب، وعدم الدخول على السلاطين، متوفرا على العلم والتعليم، زاهدا في أمر الدنيا، مقبلا على أمر الآخرة، فلم يكن له دخل في صراعات سياسية، ولم يكن طرفا في تجاذبات المصالح وخلافات أهل السلطان. 3- انتقل الإمام الإخميمي من القاهرة إلى دمشق، وغالب الظن أن انتقاله هذا كان في زمان الملك الناصر، فكان بعيدا عن مركز الفتن والخلافات السياسية، التي كانت تدور بين المماليك على أرض القاهرة أصالة، ثم تمتد إلى الشام وغيرها بالتبعية. فيظهر مما سبق أن الظروف التي أحاطت بزمن المصنف كانت مواتية لنشأة إمام غزير العلم، متعمق في النظر كالإمام الإخميمي، رحمه الله رحمة واسعة. ثانيا: الحالة العلمية والثقافية في زمنه: كان زمن المماليك عموما، وزمن الناصر بن قلاوون خصوصا زمن عناية بالعلم وأهله، وأعظم دليل على ذلك: كثرة المدارس العلمية في ذلك العهد كثرة بالغة، منذ عهد الظاهر بيبرس المملوكي مرورا بعهد الملك الناصر، وانتهاء بآخر أيام المماليك، وقد بلغ من كثرة تلك المدارس أن قال ابن بطوطة عنها: «وأما المدارس بمصر فلا يحيط أحد
المنقذ من الزلل · الجزء ١ · الصفحة ٣٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
المنقذ من الزللج ١ · ص ٣٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي