وعندما رأت المسكينة ملكة هذا أخذت تتنهد، وقالت: «والآن يا أب نيكيفور ما العمل؟» - هيا يا سيدتي الصغيرة، لا تحرقي دمك فنحن لم نفقد كل أمل!
ثم أخرج سكينا قديمة من جرابها، وشحذها مرتين أو ثلاث مرات على حجر للشحذ، وقطع غصنا من شجرة بلوط صغيرة، وشط به قدر المستطاع، ثم أخذ يبحث في قاع عربته لعله يجد قطعة حبل، ولكن كيف يجدها إذا كان أحد لم يضعها؟
وعندما تبين أنه لن يجد قطع حبائل خرجه وطرفا من المقود وجدلهما معا، ونجح في أن يربط المحور الذي ارتجله، ثم وضع العجلة في مكانها وثبت السلم وقلب النير وربطه في مقدم العربة، فاغرا فاه: «هيا يا سيدتي الصغيرة! ... كم تعلمنا الشدائد! ... لا ينبغي لأحد أن يخاف وهو صحبة الأب نيكيفور ابن قرية توتوبيني، والآن اثبتي جيدا في مكانك، فسأقود هذه المهار بسرعة مجنونة ... ولكن تأكدي أنني سأري عجوزتي الويل بلكماتي الخشنة عندما أعود إلى البيت، وسوف أدحو عقيصة شعرها؛ لكي أعلمها كيف تهتم بزوجها؛ وذلك لأن المرأة إذا لم تضرب تصبح كالطاحونة بغير ماء! هيا اثبتي في مكانك يا سيدتي الصغيرة ... شي! شي!»
وأخذت المهار تعدو بشدة حتى راحت العجلات تقرقع، والغبار يتصاعد إلى السماء، ولكن بعد جولة صغيرة أخذ المحور المرتجل يسخن ويهبط، ثم ... كراك! وها هي العجلة تقفز بعيدا عن العربة. - يا للداهية! لا بد أنني قد قابلت هذا الصبح قسيسا أو أي شؤم آخر! - ماذا سنفعل أيها الأب نيكيفور؟ - سوف نرى يا سيدتي الصغيرة! وعلى أية حال اطمئني ولا تفزعي، ونحن لحسن الحظ لسنا وسط الحقول، وفي الغابة - والحمد لله - أخشاب لا حد لها، ولربما أعارنا عابر سبيل بلطة.
وفي هذه الأثناء لمح مسافرا قادما نحوهما وعلى ظهره خرجه. - أسعد الله أوقاتك أيها الصديق! أرجو ألا يكون الطريق قد انقسم ظهره كعربتك. - لا مجال لمثل هذا الهذر أيها الصديق، فمن الأفضل أن تمد لي يد العون؛ كي أعيد المحور إلى مكانه، وأنت ترى ما وصلت إليه من إعياء. - لا سبيل إلى ذلك، فأنا على عجلة، ويجب أن أصل إلى أوسلوبيني، وليس أمامك إلا أن تقضي الليل في الغابة، ولن يصيبك أي ضجر!
فرد نيكيفور غاضبا: «إنه ليدهشني ألا تستحي من مثل هذا القول، ما الذي يدور برأسك العجوز الخربة؟»
فأجابه الرجل - وهو مستمر في الطريق: «لا تغضب يا صديقي إنها مجرد دعابة، وداعا! وليحفظك الله.» - انظري يا سيدتي الصغيرة، كم الناس أشرارا! إن الغنائم وحدها هي التي تغريهم! آه ... لو كان معي زجاجة نبيذ أو عرق بالعربة، لما ظللت هكذا وسط الطريق! تأكدي من ذلك! هيا! على الأب نيكيفور أن يتصرف هذه المرة أيضا وسأحاول.
ثم أخذ يشذب غصنا آخر، وظل يسويه حتى استطاع في النهاية أن يضعه في مكانه، ثم أخذ يقرقع بسوطه من جديد، وأخذت المهار تعدو حتى اشتبكت العجلة في حجر، وانكسر المحور من جديد. - آه! ... لقد أخذت أعتقد يا سيدتي الصغيرة أننا سنضطر إلى قضاء الليل في الغابة، كما قال ذلك الرجل الذي مر بنا. - يا إلهي! هل هذا ممكن يا أب نيكيفور؟ ما هذا الذي تقوله؟ - وماذا تريدينني أن أقول؟ انظري! ها هي الشمس تغرب خلف التل، ونحن لا نزال هنا، ولكن لا بأس! اطمئني يا سيدتي الصغيرة، فأنا أعرف في الغابة ساحة مكشوفة على بعد خطوتين من هنا، فلنذهب إليها حيث سنكون كأننا في بيتنا، فالمكان مكنون والمهار ستستطيع أن ترعى فيه، وستنامين داخل العربة، بينما أقوم أنا بحراستك طول الليل، وعلى أية حال فليلة واحدة لا تدوم قرنا، وسترين كيف تمر! وأما عن عجوزتي فسوف تدفع الثمن؛ فبسببها حدثت كل هذه المضايقات. - فليكن! افعل ما شئت يا أب نيكيفور ما دام ما تفعل صالحا. - اطمئني يا سيدتي الصغيرة إلى أن كل شيء سيكون على خير حال.