تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والصنف الثالث: من يبحث عن المعصية، ويفرح بها، ويندم على فواتها.

فأنا وإن كنت لست من الصنف الأول وأتمنى من الله أن يلحقني به فلأن أكون من الصنف الثاني خير لي وأزكى من أكون من الثالث.

رابعاً: أن الندم والحسرة، والتألم على المعصية إنما جنيته من الصحبة الصالحة، وهذه أول بركاتهم وباكورة ثمراتهم، وحين أفارقهم فسوف يخبت هذا الصوت ويقل أثر هذه الملامة للنفس. وحينها أنتقل لا سمح الله إلى جحيم المعصية ودركاتها. إن أولئك الذين لا يصاحبون الأخيار قد لا يشعرون مرة واحدة بالندم ومرارة المعصية، أما أولئك الذين يصاحبونهم فهم يشعرون بذلك حين يرون إخوتهم ولسان حال أحدهم يقول: كل هؤلاء خير وأطهر مني.

إذاً فصحبتي للأخيار سبب في تألمي من المعصية وهذا بحد ذاته خطوة بإذن الله في طريق التوبة. وهب أني لم أتب، فالذي يفعل المعصية وهو نادم خير ممن يفعلها وهو يضحك.

خامساً: هب أنى فارقت الأخيار، فهل سيزول ما أشكو منه وأبرأ من داء المعصية؟ أم أنى سأفقد الدواء فيستفحل الداء. فالمرء لابد له من صحبة؛ فإن تركت هؤلاء فالبديل هم أولئك الذي أراهم على معاص أكبر مما أفعل فيولد ذلك عندي الاستهانة بما أنا واقع فيه، بل والتطلع لما هم عليه، ثم لن أسمع منهم موعظة أو أجد منهم تذكيراً.

إنه لو طرح على نفسه تلك التساؤلات السابقة لخرج بتيجة مؤداها: أن وقوعه في المعصية، ومعاناته من شؤمها مدعاة إلى التزود من صحبة الأخيار، والسعي لذلك، لاأن تكون عائقاً ومثبطاً.

إذاً أخي الكريم: خير لك أن تعض على هذه الصحبة بالنواجذ بل أنت أحوج ما تكون إليهم، ولأن تبقى محباً مصاحباً لهم وأنت على معصيتك خير لك من أن تفارقهم وأنت عليها.

ويجعل ذو النون رحمه الله ملازمة الأخيار من أمارات التوبة. فيقول:"ثلاثة من أعلام التوبة: إدمان البكاء على ما سلف من الذنوب، والخوف المتعلق من الوقوع فيها، وهجران إخوان السوء وملازمة أهل الخير ".

سبيل النجاة · الصفحة ٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سبيل النجاةص ٣٩