تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثمّ هذا فيه هدف آخر وهو رفع شأن نفس المؤمن ليغيّر واقعه ويسعى لإصلاحه وتدمير الباطل فيه، فالمؤمن يحمل نفسيّة المُهاجم دائماً حتّى وهو ضعيف عاجز، ولا يجتمع هوان نظرة المؤمن مع هوان واقعه، ولا يرضى لليأسِ أن يُصيب قلبه ونفسه، بل هو مستعلٍ بالإيمان دائماً وأبداً في أيّ حالة كان وعلى أيّ موطن من درجات الدّنيا كان مُستَقرُّه، فإذا علم أنّ مهمّته لا تعدو الخروج من مأزقه والإنفكاك من عذابه، بل مهمّته تتجاوز ذلك بأن يهاجم الباطل، ويصارعه ويحاربه حتّى وهو صريع ضعيف فبهذا يكون حاملاً دائماً نفسيّة المسلم العزيز بربّه والواثق بنصر الله تعالى وصواب دينه، انظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسير داعياً إلى الله تعالى في مكّة، فهو مستضعف معذّب، وقريش تُريه ألوان العذاب فهي تضع على ظهره فرت الجزور وهو ساجدٌ في ظلِّ الكعبة، ويبقى كذلك حتّى تأتيه فاطمةٌ رضي الله عنها فتزيل عنه القاذورات وقريش تضحك بملء فيها، ومع ذلك كلِّه فهو يوزِّع عليهم النُّذر، ويبشِّر بالعذاب، ويعدِّدُ عليهم ماذا سيصنع بهم، فهو الذي قال لهم يوماً وقد اساؤوا الإجابة له إساءةً بالغة: ((لقد جئتكم بالذّبح))، فيردّ أبو الحكم مرتعداً على هذه النّذارة: يا محمّد ما كنت جهولاً قبل اليوم، فيجيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بل أنت الجهول))، ومن يومها فأبو الحكم هو أبو جهل، وهو الذي قال لرجلٍ من قريش وقد مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يمرِّنُ مهراً من خيوله، فيقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: على هذا سأقتلك يا محمّد، فيجيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بل أنا قاتلك إن شاء الله))، فيكون هو الرّجل الوحيد الذي يقتله الرّسول صلى الله عليه وسلم بيده الشّريفة رحمة منه لأنّه القائل: ((أشدّ النّاس عذاباً من قتل نبيّاً أو قتله نبيّ)).

مجموع مقالات بين منهجين · الصفحة ٥٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجموع مقالات بين منهجينص ٥٢٧