ثانياً: أمّا الخطأ فحملها على معنيين اثنين:
(أ) أولاهما: تفسير الأعمال المكفّرة، وأنّها لا تقع أبداً من صاحبها إلاّ بجحود، فصاحب الفعل المكفّر هو كافر لأنّ عمله يدلّ على الجحود لزوماً، وهذه الفرقة كما تقدّم أنّها من فرق الإرجاء، ولكنّه يسمّى عند العلماء بإرجاء الفقهاء فهم يسمّون ما سمّه الله كفراً، ولكنّهم يقولون عنه كفر لدلالته على الجحود لزوماً، وهؤلاء هم الذين قال عنهم أهل السنّة أنّ الخلاف معهم لفظيّ، ويقصدون أنّهم يلتقون مع أهل السنّة في تسمية الكفر كفراً، ولكنّهم يختلفون معهم في تفسيرهم له.
(ب) ثانيهما: في التّحقّق من وجود شرط الجحود القلبيّ لتسمية الكفر كفراً، فإذا وجد الجحود فهو كفر، وإن لم يوجد فلا يحكم عليه بالكفر، ولا يسمّى صاحبه كافراً، وهؤلاء من غلاة المرجئة، وهم الذين ملئوا الآن الأرض شرقاً وغرباً.
ومن أصرح الأمثلة على ذلك هو موالاة أعداء الله تعالى، فقد سمّى الله موالاة الكفّار كفراً، قال تعالى: ﴿ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم﴾، وقد ذكر ابن حزم أن الإجماع منعقد على إجراء الآية على ظاهرها كما تقدّم، أي أنّ من تولّى الكفّار هو كافر مثلهم، فهذا فعل كفر - أي الموالاة الظّاهرة بالقتال معهم أو نصرتهم - وهو سبب من أسباب الكفر، سواء فعله المرء باعتقاد أو بغيره، سواء كان الدّافع له هو حبّ المال أو السلطان أو مجرّد النّصرة والتأييد، وأمّا المرجئة فهم كما تقدّم:
فرقة تكفّر من تولّى الكفّار لأنّه يدلّ على جحد الحقّ لزوماً، وهؤلاء مرجئة الفقهاء، وفرقة تشترط العمل القلبي للتكفير. والعمل القلبي عندهم بتفسيرات متعددة، حيث يقولون أن الموالاة المكفّرة هي موالاة الكفّار على عقيدتهم ودينهم فقط، وبعضهم يفسّرها بشرط المحبّة القلبيّة.