تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد حاولت بفضل الله تعالى حين شرعت في كتابة هذه المقالات أن أقوم مقام المؤذّن، ومن السنّة في حقّه - أي المؤذن - أن يصرخ في النّاس الحقّ (الدّعوة التّامّة كما سمّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم) وأثناء هذا النّداء عليه أن لا ينسى أن يضع إصبعيه في أذنيه، ولعلّ وضعه هذا - وهو أن يصرخ وهو واضع إصبعيه في أذنيه - يشير إلى ما ينبغي أن يكون عليه الدّاعي إلى الله، وهو ألاّ ينشغل بحديث النّاس معه، أو بحديث النّاس عليه، فلو أنّ رجلاً صرخ على المؤذّن وهو يؤذّن لصلاة الفجر قائلاً له: لقد أقلقت نومنا، أو أفسدت علينا أحلامنا، فإنّ المؤذّن لن يسمعه، وكيف يسمعه وهو واضع إصبعيه (السبّابتين) في أذنيه، ولو أنّ رجلا صرخ فيه، وهو يؤذّن لصلاة الظّهر: لو أنّك أخّرت أذانك قليلاً حتى أنهي صفقتي وتجارتي فلن يسمعه، وكيف يسمعه وهو واضع سبّابتيه في أذنيه، فهذا هو أمر الدّاعي إلى الله تعالى. يصرخ في النّاس الحقّ، ويدعو النّاس إلى الفلاح، ولا يأبه أبداً باعتذار الحالمين أو الواهمين، بل هو قائم لله بحجّة حتى يلقى الله.

وقد آليت على نفسي أن لا أخطّ في هذا المنبر - وهو منبر من حقّ المجاهدين في كلّ مكان - إلاّ ما يقوّي عزائمهم، ويشدّ من أزرهم، ويكشف عيوب غيرهم، وفجاجة أفكار خصومهم، لئلاّ يهنوا أو يضعفوا أو يستكينوا، وشهد الله تعالى أنّي لم أكتب حرفاً إلاّ وهم في مخيّلتي، فإن مدحت فهم أمدح، وإن ذممت فخصومهم أذِمّ:

فأنا أصرخ دائماً وها أنا أعلن: أنا لا أكتب إلاّ لأولئك، فلا يغضبني أبداً أن لا يقرأ لي غيرهم، أو يعرض عن هذه المقالات من لا يحبّ اللحاق بهم، ويدعوا لذلك صباح مساء، بل يفرحني أشدّ الفرح أن لا يرضى عليّ خصومهم، ويفرحني أشدّ الفرح أن يغضبوا عليّ أشدّ الغضب، وليت الغضب يصل بهم إلى ارتجاف شفاههم وأيديهم وأرجلهم حتّى الشّلل، وأنا أردّد مع ذلك الرّجل الشّاعر حين قال:

مجموع مقالات بين منهجين · الصفحة ١٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجموع مقالات بين منهجينص ١٣٩