تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بإذن محمد - صلى الله عليه وسلم -، ... وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم ... وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (1).

وفي هذا دليل واضح على إثبات رعوية الدولة، وحمل التابعية لمن أقام في دار الإسلام من غير المسلمين حيث أنه عليه الصلاة والسلام جعل لليهود المقيمين بالمدينة والذين يتبعون المؤمنين حق النصر والأسوة، وأن عليهم نفقة للدولة عند حصول الحرب وأن الحكم عند الاختلاف، مرجعه إليه عليه الصلاة والسلام، مما يثبت تبعيتهم للدولة، ومنحهم حق الرعوية؛ فشروط منح التابعية ترتبط بالعيش الدائم في الدولة الإسلامية وإقامة أحكام الإسلام فقط.

ومن هذا يتضح أن النظرية السياسية الإسلامية فضلاً عما جاءت به من رقي فكري لمفهوم الرعوية فإنها جاءت أيضاً، بأحكام دقيقة لمعالجة مشكلة رعوية الدولة، وجعلت معيار الحصول عليها معياراً شرعياً لا عرقياً عنصرياً، ورتبت كذلك عدداً من الأحكام المترتبة على الحصول على تابعية الدولة الإسلامية التي تناقض جملة وتفصيلاً أحكام الجنسية في الفكر الغربي كما سبق بيانه.

أضف إلى ذلك أن الدولة الإسلامية كدولة دعوة، لا يجوز لها اتخاذ إسقاط الرعوية، أو سحبها كعقوبة كما هو الحال في الأنظمة الوضعية وذلك لعدة أسباب:

أولاً: أن البيعة الشرعية فرض على المسلم، يجب عليه إقامتها، ومتى انعقدت البيعة شرعاً امتنع فسخها، لكونها عقد واجب بين طرفين، ولذلك، لا يجوز للدولة سحب الرعوية من جانب واحد، لمخالفة ذلك للنصوص الشرعية المقتضية لوجوب البيعة التي منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" (2).

ثانياً: إن الأصل هو الهجرة إلى دار الإسلام والإقامة فيها فسحب الرعوية أو إسقاطها كعقوبة، يُفقد المسلم حقه الشرعي في الإقامة في دار الإسلام، ويحتم طرده إلى دار الكفر، وهذا مخالف للشرع

(1) ابن هشام، السيرة النبوية، مرجع سابق، القسم الأول، الجزأين الأول والثاني، ص ص 501 - 504. ومعنى (لا يوتغ: أي لا يأثم، أو لا يُهلك، أو لا يوجع (القاموس المحيط.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق، الجزء الثاني عشر، ص 240.

مفاهيم سياسية شرعية · الصفحة ٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مفاهيم سياسية شرعيةص ٩١