يكتفوا بالسكوت عن المنكر بل بلغت بهم الجرأة قتل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر فكان مصيرهم المحتوم إحباط العمل والعذاب الأليم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (1). قال معقل بن أبي مسكين: "كانت الأنبياء صلوات الله عليهم تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم، فيقوم قوم ممن اتبعهم فيأمرون بالقسط، أي بالعدل، فيُقتلون". وقد روى ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتقية" (2).
ثالثاً: أما الجهة الثالثة المنوط بها العمل على محاسبة الحكام فهي الجماعات الحزبية الإسلامية التي تلعب دورا بارزاً في الدولة، بالتأكد من حسن تطبيق أحكام الإسلام، ومراقبة انحرافات الحكام، والعمل الدؤوب من أجل تثقيف الأمة وتوعيتها بمخاطر السكوت عن انحراف السلطة السياسية عن الشرع الإسلامي، فيكون دورها دوراً وقائياً يتمثل في بيان أحكام الإسلام وأهدافه، وغاياته وعظمته وقدرته على معالجة الواقع، ودوراً علاجياً يتمثل في تصحيح الانحرافات، والزيغ عن تطبيق أحكام الإسلام ومفاهيمه في الدولة.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى الأمة بأن تقيم جماعات متخصصة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك تصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (3). ففي هذه الآية الكريمة يأمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بإقامة جماعة تكون مهمتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد أشار ابن كثير في تفسيره إلى أن المقصود من الآية "أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه" (4).
وذلك يعني أن على الأمة العمل على إيجاد "جماعة" أو "كتلة" تكون مهمتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو عمل سياسي يتضمن مراقبة الحكام ومحاسبتهم عند انحرافهم عن الشرع الإسلامي مما يدل على أن عمل الجماعة عمل سياسي تقوم به الجماعة التي توجدها الأمة بالعمل الحزبي المنظم،
(1) القرآن الكريم، سورة آل عمران، آية 21 - 22.
(2) راجع القرطبي، الجامع لأحكام القرآن الكريم، مرجع سابق، الجزء الرابع، ص 31.
(3) القرآن الكريم، سورة آل عمران، آية 104.
(4) مختصر تفسير ابن كثير، مرجع سابق، المجلد الأول، ص 306.