تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال ابن محمود، بعد كلام سبق: فمتى طلع- يعني الهلال- قبل طلوع الشمس من جهة المشرق، فإنه يغيب قبلها، فلا يراه أحد، أو طلع مع الشمس فإنه يغيب معها ولا يراه أحد لشدة ضوء الشمس. اه. وهذا خطأ بين، فقد ثبت بشهادة العدول أنه قد يرى قبل الشمس في صبيحة يوم التاسع والعشرين من المشرق، ثم يرى بعد غروبهما من المغرب ذلك اليوم. لأن سير القمر غير سير الشمس، فكل واحد يسبح في فلكه الخاص به، كما يشاء الله عز وجل. وأما الآية التي استدل بها على ما ذكره من عدم إمكان رؤيته بعد الغروب إذا كان قد رؤي صباح ذلك اليوم قبل طلوع الشمس، وهي قوله تعالى في سورة يس: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) [يس:40] . فلا حجة له في ذلك، لأن علماء التفسير أوضحوا معنى الإدراك المذكور، وأنه لا سلطان للشمس في وقت سلطان القمر، ولا سلطان للقمر في وقت سلطان الشمس. قال الحافظ ابن كثير- رحمه الله- في تفسير هذه الآية ما نصه: قال مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء هذا. إلى أن قال: وقال الثوري: عن إسماعيل بن خالد عن أبى صالح: لا يدرك هذا ضوء هذا ولا هذا ضوء هذا. وقال عكرمة في قوله عز وجل: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) . يعني أن لكل منهما سلطانا فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل. اه. ثم قال ابن محمود، بعد ما ذكر كلام فقهاء الأحناف في اشتراط الاستفاضة في الرؤية وقت الصحو، وأنه لا يكتفي في رؤيته بشخص أو شخصين دون بقية الناس، لاحتمال التوهم منهما، إلى أن قال: وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- في رسائله المتعلقة بالهلال، فقال: إنه لا يعتد برؤية الواحد والاثنين للهلال، والناس لم يروه، لاحتمال التوهم منهما في الرؤية، ولو كانت الرؤية صحيحة لرآه أكثر الناس. اه. وهذا الكلام الذي نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- عن عدم الاكتفاء بشهادة الواحد والاثنين بالهلال إذا لم يره غيرهم، لا أساس له من الصحة، وقد سبق كلامه- رحمه الله- الذي نقله عنه العارفون بكلامه، وهو الموجود في الفتاوى (ج25ص186) ، وفيه نقل الإجماع على تعلق حكم الشرع بشهادة الاثنين، ثم قال: تراءى الناس هلال رمضان، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود وصححه الحاكم وابن حبان، ومثله حديث ابن عباس أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال. قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ ". قال: نعم. قال: "أتشهد أن محمدا رسول الله؟ ". قال: نعم. قال: "فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا". رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وصحح النسائي إرساله، فالجواب أنه ليس في الحديثين ما يدل على حصر الرؤية على هذين الشخصين، إذ من المحتمل أن يكونا أول من رأيا الهلال ثم رآه غيرهما. اه. المقصود. ولا يخفي بطلان هذا الجواب وتعسفه، لعدم الدليل عليه، والأصل عدم وجود غيرهما، إذ لو شهد غيرهما لنقل، فلما لم ينقل ذلك، علم عدم وقوعه، لهذا

فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم · الجزء ١٧ · الصفحة ٢١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليومج ١٧ · ص ٢١٨