8 - العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، قال (1) في تفسير قوله تعالى: " و لا يشرك في حكمه أحدا " الكهف [26]،: ما تضمّنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين ـ و قال قبل ذلك – [و حكمه جلا وعلا في الآية شامل لكلّ ما يقتضيه جل و علا، و يدخل في ذلك التشريع دخولا أوّليا] جاء مبينا في آيات أخر: كقوله تعالى: " إن الحكم إلاّ لله أمر ألاّ تعبدوا إلا ّ إلاّ إياه " يوسف [40]، و قوله: " و ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله " الشورى [10] و قوله: " ذالكم بأنّه إذا دعي الله وحده كفرتم و إن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العليّ الكبير " غافر [12].
و قوله تعالى: أفغير الله أبتغي حكما و هو الّذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلا " الأنعام [114] إلى غير ذلك من الآيات.
و يفهم من هذه الآيات كقوله: " و لا يشرك في حكمه أحدا " أن متّبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنّهم مشركون، و هذا المفهوم جاء مبيّنا في آيات أخر، كقوله فيمن اتبع الشيطان في إباحة الميتة أنّها ذبيحة الله: " و لا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه و إنّه لفسق و إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم و إن أطعتمومهم إنّكم لمشركون " الأنعام [112]، فصرح بأنّهم مشركون بطاعتهم، و هذا الإشراك في الطاعة و إتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: " ألم أعهد إليكم يا بني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنّه لكم عدوّ مبين، و أن اعبدوني هذا صراط مستقيم " يس [60 - 61].
. و بهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أنّ الّذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل و علا على ألسنّة رسله صلى الله عليهم وسلم أنّه لا يشك في كفرهم و شركهم إلاّ من طمس الله بصيرته و أعماه عن نور الوحي مثلهم ـ إهـ
9 - الشيخ ابن العثيمين رحمه الله تعالى، قال (2) رحمه الله تعالى مبيّنا سبب هذا الكفر: من لم يحكم بما أنزل الله استخفافا به، أو احتقارا له أو اعتقادا أنّ غيره أصلح منه و أنفع للخلق فهو كافر كفرا مخرجا من الملّة، و من هؤلاء من يصنعون للنّاس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهجا يسير النّاس عليه، فإنّهم لم يصنعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلاّ و هم يعتقدون أنّها أصلح و أنفع للخلق إذ من المعلوم بالضرورة العقلية و الجبلة الفطرية أنّ الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلاّ و هو يعتقد فضل ما عدل إليه و نقص ما عدل عنه. إنتهى.
وقال (3) رحمه الله تعالى: ونرى فرقا بين شخص يضع قانونا يخالف الشريعة ليحكم النّاس به، و شخص آخر يحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله، لأنّ من وضع قانونا ليسير النّاس عليه و هو يعلم
(1) - أضواء البيان [4/ 65ـ66 بتصرف]
(2) - مجموع فتاوى و رسائل ابن عثيمين [2/ 143]
(3) - لقاء مفتوح [26 ص 32 - 33]
و للشيخ إبن عثيمين فتوى أخرى في مجموع فتاوى ورسائل المجلد الثاني، الكفر والتكفير رقم 229: الحاكم الذي لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله تجب طاعته في غير معصية الله ورسوله، و لا تجب محاربته من اجل ذلك، بل و لا تجوز إلاّ أن يصل إلى حدّ الكفر فحينئذ تجب منابذته، و ليس له طاعة على المسلمين، و الحكم بغير ما في كتاب الله و سنة رسول الله يصل إلى حدّ الكفر بشرطين: الأوّل: أن يكون عالما بحكم الله و رسوله، فإن كان جاهلا لم يكفر بمخالفته.
الثاني: أن يكون الحامل له على الحكم بغير ما أنزل الله إعتقاد أنّه حكم غير صالح للوقت و أنّ غيره أصلح منه، و انفع للعباد، و بهذين الشرطين يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرا مخرجا من الملّة لقول الله تعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون "، و تبطل ولاية الحاكم و لا يكون له طاعة على الناس، و تجب محاربته و إبعاده عن الحكم. إنتهى
فما يجب فهمه من كلام الشيخ إبن عثيمين أنّ كلامه الأخير يجب أن يُفهم على ضوء كلامه السابق و الموافق لكلام السلف، فأوّلا هو لا يَعدّ كلّ حكم مخالف للكتاب و السنّة من قبيل الكفر و هذا صواب، إذ قرّرنا سابقا أنّ الحكم بغير ما أنزل الله ليس له حكم واحد، بخلاف القوانين الوضعية، و هذا مطابق لما نقلته آنفا عن الشيخ إبن عثيمين، حيث قال: و نرى فرقا بين شخص يضع قانونا يخالف الشريعة ليحكم النّاس به، و شخص آخر يحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله.
فمن حكم في مسألة معيّنة بخلاف حكم الله، قال: و لكن من حكم في مسألة معينة يعلم فيها حكم الله و لكن لهوى في نفسه، فهذا ظالم فاسق و كفره و إن وصف بالكفر كفر دون كفر. إنتهى
و تكفير هذا المعيّن يلزم منه توفر الشرطين المذكورين آنفا
أمّا من شرّع القوانين، فيدخل في قوله: أن يكون الحامل له على الحكم بغير ما أنزل الله إعتقاد أنّه حكم غير صالح للوقت و أنّ غيره أصلح. إنتهى، و هذا ما بيّنه في كلامه السابق حيث قال: اعتقاد أنّ غيره أصلح منه و أنفع للخلق فهو كافر كفرا مخرجا من الملّة، و من هؤلاء من يصنعون للنّاس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهجا يسير النّاس عليه، فإنّهم لم يصنعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلاّ و هم يعتقدون أنّها أصلح و أنفع للخلق إذ من المعلوم بالضرورة العقلية و الجبلة الفطرية أنّ الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلاّ و هو يعتقد فضل ما عدل إليه و نقص ما عدل عنه ـ إه ـ.
و من هنا نلاحظ أنّ كلام الشيخ إبن عثيمين متوافق و غير متناقض على الأقل فيما توصّلت إليه من خلال هذا الجمع. و الله أعلم.