دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
إنّنا نعجب والله كلّ العجب أن نرى أحوال الأمّة في تخلّفها على كلّ صعيد، وأنّها أكثر أمم الأرض فقراً، وجهلاً، ومرضاً .. وفي أرضها تتدفّق الخيرات من كلّ لون: ذهباً أصفر وأسود، وأحمر وأبيض، ومن كلّ ما شئت .. ثمّ نرى أغنياءها ينفقون أموالهم ذات اليمين وذات الشمال، في أبواب من البطر الإسراف، والتبذير والترف، والسفه الذي لا يقف عند حدّ .. وقد يمنّ أحدهم على ربّه، وعلى عباد الله، بما يدفع من زكاة ماله، وهو يسمع بمن يموت مرضاً وجوعاً وعرياً، ومن يفتن عن دينه، فيكفّر استغلالاً لضرورته .. ثمّ لا يحرّك ذلك من نفسه ساكناً.!
ولقد كُتبَ عليّ في لقاء مع بعض الأغنياء ممّن يعدّ من صالحيهم، أن أستمع إليه قرابة ساعة ونصف، وهو يتحدّث، ويستفيض في الحديث ويسترسل، عن أبواب من بطره، وبطر أهله وأولاده وأحفاده .. وذكر أرقاماً دهشت لها والله، فتملّكتني الجرأة، فقلت له: أتعرف فلاناً من الناس.؟ فقال: وكيف لا أعرفه.؟! إنّني أعرفه حقّ المعرفة، وأعرف والده رحمه الله، فقد كان صديقاً لي منذ الصغر .. فقلت له بشيء من المزاح الجادّ: إذن على المغيث سقطتُ.! قال: وماذا.؟ فقلت له: إنّ فلاناً واقع في أزمة ماليّة ناجزة، وإنّ ممّا يخفّف من أزمته أن يعان بإيجار بيته، وبيت ولده المتكفّل به .. فتغيّر وجه الرجل، ويبدو أنّه فوجئ بما سمع، فقال لي: هذا واجب .. وسأل عن المبلغ، فأجبته، فقال لي: