تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن التدقيق في الإبانة وتعاني الإيضاح ودفع أسباب اللبس وعلل الوهم والإيهام أمور مطلوبة بلا هوادة ، ورحم الله تعالى الإمام الشافعيّ إذ قال : (من تعلّم علما فليدقّق ؛ لئلاّ يضيع دقيق العلم ).

ولكن عندما تُنسى المقاصد بسبب انحصار الاهتمام بالوسائل ، وتترك العناية بالمعنى لأجل العناية بلفظِ بعضِ شرّاحه ، فذاك هو الخلل ، بل الزلل .

إن ابتناء مصطلحات المحدثين على المعاني اللغوية لألفاظ تلك المصطلحات ، واشتقاقها منها ، واصطباغها بصبغتها الفطرية واتساع كثير منها لمعانٍ عريضة ، جعلها غير صالحة ولا مناسبة لتقسيمها وشرحها بمقتضى قواعد صناعة المعرفات المنطقية ، لأن التكلف بل التنطع والتكلف الذي بنيت عليه تلك القواعد لا يناسب السليقة العربية وطريقة التخاطب عند العرب ، علماء وغير علماء ، فإذا استعملت تلك القواعد والقوالب في شرح وتبيان هذه المصطلحات العربية الحرّة الأصيلة ، أعني مصطلحات المحدثين ، فإن ذلك سيوقع عليها ، من الضيم والتحريف والتغيير مثلُ ما يقع عليها فيما لو تُرجمت إلى لغة أخرى ، بل وأكثر من ذلك بكثير .

( 3 )

حملهم معاني مصطلحات المتقدمين على معاني مصطلحات المتأخرين مع ما بينهما من الفروق في كثير من الأحيان

كان على المتأخرين فهم اصطلاحات أسلافهم والسير وراءهم فيها ، ولكن لم يرتض كثير من المتأخرين ذلك ؛ أو لم يوفقوا إليه ، فصارت لهم في بعض أبواب هذا الفن اصطلاحات تختلف قليلاً أو كثيراً عن اصطلاحات أهل الاصطلاح(1) ، أعني المتقدمين من المحدثين.

(1) ولهذا فإنه ليس من الصحيح أن نحاكم صنيع القدماء واصطلاحاتهم إلى حدود وتعريفات المتأخرين ، إذا خالفت هذه تلك ؛ ثم نقول : إن المتقدم تجوَّزَ! أو لم يراعِ الاصطلاح! ، أو نحو ذلك .

لسان المحدثين · الصفحة ١٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لسان المحدثينص ١٥٣