(لا ننكر أن يحدُثَ في كل زمان أوضاعٌ لما يحدث من المعاني التي لم تكن قبْلُ ، ولا سيما أرباب كل صناعة ، فإنهم يضعون لآلات صناعاتهم من الأسماء ما يحتاجون إليه في تفهيم بعضهم بعضاً عند التخاطب ؛ ولا تتم مصلحتهم إلا بذلك ؛ وهذا أمرٌ عام لأهل كل صناعة ، مقترَحة أو غير مقترحة ؛ بل أهلُ كل علم من العلوم قد اصطلحوا على ألفاظٍ يستعملونها في علومهم تدعو حاجتهم إليها للفهم والتفهيم ).
وهذا الوضع لمصطحات الفنون يُعدُّ - كما قال العلامة بكر أبو زيد(1) - (من أصدق دلالةٍ على عظيم الجهود المبذولة في خدمة العلم وتذليل صعابه وتقريب بعيدِه وجمع متفرّقِه ، من أهل العلم في كل عصرٍ ومصر).
( 2 )
بيان معنى كلمة (مصطلحات المحدثين)
لما عُرف معنى المصطلحات مما تقدم ، وكان معلوماً أن المحدثين هم أهل علم الحديث : صار معنى كلمة ( مصطلحات المحدثين ) معلوماً كذلك ، فهي المصطلحات المختصة بهم ؛ وهي جميع الكلمات التي استعملها كثير أو قليل من المحدثين بمعنى يخالف معناها عند أهل اللغة مخالفةً يسيرةً أو كثيرة ، قريبةً أو بعيدة .
( 3 )
بيان الفرق بين (مصطلحات المحدثين) و(علم الحديث)
علم مصطلح الحديث ـ كسائر العلوم ـ ينبني في أصله على مجموعة من القواعد ويُستعمل فيه جملة كبيرة من المصطلحات .
وقواعد كل علم هي لُبُّه وحقيقتُه وجوهرُه ، وهي المعنى المطلوب لذاته والأصل الأول الذي تنشأ منه كل فروع ذلك العلم وثمراته .
وأما مصطلحات العلم فإنما وضعت تيسيراً للتعبير ، أي عن القواعد وفروعها ، وتقريباً لبيان ما يتعلق بذلك ، وتحرياً للدقة في القول ، واختصاراً له.
(1) في رسالته (المواضعة في الاصطلاح على خلاف الشريعة وأفصح اللغة) وهي ضمن كتابه (فقه النوازل ) (1/111-118).