والتأمل في سورة الضحى وبنية اللف والنشر يقودني إلى القول بأنّ أهم وظيفة لهذه البنية فضلاً عن الفهم الدقيق للعلاقات القائمة بين هذه البنى وصولاً إلى الدقة في معرفة الحدود الدقيقة لمعاني المفردات داخل البنية ، فضلاً عن هذا فأن الوظيفة الأساسية هي ربط أجزاء اللف والنشر في بنية كلية قائمة على نوعٍ من المرجعية الدلالية أو الموضوعية في بنية
اللف ، يحسها القارئ عند قراءته لبنية النشر تجعل في عملية تشكيله لها وربطها وسيلة
يتم بها ومن خلالها بناء تشكيلات بنائية جديدة تمثل إثراء للنص المقروء ، وتسمه
بطابع التواصل وصولاً في بعض النصوص ، كسورة الضحى ، إلى خلق وحدة كلية للنص يتشكل بموجبها نمطان من القراءة ، يمكن أن تُسمَى القراءةُ التاليةُ للقراءةِ الأولى بالقراءة الاستدعائية .
حرية الاختيار للفاصلة القرآنية :
إنّ طبيعة الاختيار في القرآن الكريم إنما تأتي بحسب حاجة السياق أو النظم لا بحسب مطلبٍ شكلي مسبق يُفرض على السياق (قد يكون متوافقاً صوتاً ودلالةً معه) بدايةً إلا أنه يبقى مفروضاً حتى بعد انعدام التوافق ؛ لتغير السياق كما في القافية في البناء الشعري والسجع في البناء النثري ( الفني ) ، ولعل هذا أكبر عيب يوجهه النقد الصوتي إلى قصيدة الشعر العمودي والنثر الفني ( المسجوع ) لأنّ المؤلف يكون هنا أمام اختيارٍ مشروطٍ ؛ لذلك قيل قديماً
( فواصل القرآن تابعة للمعاني وأما الأسجاع فالمعاني تابعةٌ لها ) (( (1) )) ، ولعل هذا أبرز سمةٍ أسلوبية اختص بها القرآن في أنه لم يكن مختاراً لما يُعدُّ الأفصح أو حتى المشتهر من أساليب العرب وإنما كان حرّاً حريّةً كاملة في اختياراته الأسلوبية الأمر الذي لم يعطه التفرد الشكلي فقط وإنما حاز التفرد المعنوي كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
ومن هذا ، ورغم اعترافي الكامل بالوحدة الموضوعية للسورة ككلّ ، يمكن أن نقسم السورة الواحدة على عدّة بنى منفصلة أسلوبياً بحسب الاستخدام الصوتي للفاصلة ، فكل مجموعة من الآيات تتناول جانباً معيناً ( على مستوى الدلالة أو الصورة ) تشترك في استخدام فاصلةٍ
معينة ما أن تتغير حتى يكون هذا الجانب ( الدلالي أو الصوري ) قد تغير لا لتغير
الفاصلة ، لأن التغير كان له ومن أجله ، وعلى الرغم من أن كل هذه التشكيلات ذات الفواصل المتحدة تنصب في وحدة موضوعية واحدة تتجلى في أوضح صورها في اختيار
(1) النكت 89 .