وكذلك لوط- عليه السلام - وهو يعالج الشذوذ الجنسي الذي اجتاح قومه. وشعيب - عليه السلام - انشغل بمعالجة الانحراف الاقتصادي في أسواق قريته مستندا إلى القاعدة نفسها.
وموسى - عليه السلام - كان يناضل من أجل تخليص أمته من الاضطهاد السياسي متمثلاً بفرعون، والانحراف الاقتصادي متمثلاً بقارون. ثم خرج بقومه من أجل أن يقيم لهم دولة التوحيد في الأرض المقدسة ولكن كل ذلك كان على ضوء التوحيد.وكذلك بقية الأنبياء عليهم السلام.
ثبوت القاعدة وتغير المحور:
نستخلص مما سبق أن الأنبياء اختلفوا في المحاور التي دارت حولها قضاياهم مع اتفاقهم في قاعدة الانطلاق. لقد اجتمعوا في القاعدة أو المنطلق الذي هو التوحيد. وافترقوا في القضية أو المحور الذي هو المشكلة الاجتماعية التي حاولوا علاجها.
ضرورة التفريق بين التوحيد والردود على الشرك:
هنا مسألة ينبغي أن نتوقف عندها لأن معرفتها صارت ضرورة. هي أن التوحيد الذي نؤمن به ونقصده في حديثنا ليس هو ذلك (التوحيد) الذي هو في حقيقته ردود أفعال فكرية إزاء المظاهر الشركية.
إن التوحيد أصل وفعل وليس رد فعل. والتوحيد ثابت والشرك متغير، فلكل قوم مظاهرهم الشركية. فقد تكون أحجارا وقد تكون كواكب ونجوماً، وقد تكون أشجاراً وقد تكون مراقد ومشاهد، وقد تكون تحاكماً إلى شرع غير شرع الله. كما إنها قد تكون شركاً اقتصادياً أو سياسياً. وتكون اتخاذاً للعلماء أرباباً من دون الله. وتكون إلحاداً في أسماء الله وصفاته. وتكون عبادة للبقر أو أي صنف من أصناف الحيوانات. وتكون إنكاراً لربوبية الله- وإن كان هذا كفراً خالصاً- وقد تكون مظاهر أخرى. أو تكون هذا كله مجتمعاً أو مقترنا بنسبة أو بأخرى.