فقد اتفق علماء أهل القبلة أن هؤلاء من أكفر ما جاء به الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، والشاهد من هذا؛ هو أن مجرد التصديق ليس بِمُنْجٍ حتى ينضاف له عمل القلب، وأعمال القلوب ملازمة لأعمال الجوارح، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، وهذا الحديث من أعظم ما يستدل به أهل السنة على أعمال القلوب، فإنه يدل على أن الظاهر ملازم للباطن، والعكس صحيح، ولذلك كان يقول أبو هريرة -رضي الله عنه-: القلب ملِكٌ والجوارح جنوده، فإذا فسد الملك فسدت جنوده، وإذا صلح الملك صلحت جنوده، وهذا كأنه أخذه من الحديث السابق، لكن وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أدق وأحسن من وصف أبي هريرة -رضي الله عنه- كما قال ذلك الإمام تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- وذلك أن الملك قد يفسد وتصلح جنوده فلا تكون تبعاً له دائماً على كل أحواله، وهذا بعكس القلب مع الجسد، فإن الجسد لا ينفك عن القلب أبداً، بل يكون تبعاً له دائماً صلاحاً وفساداً، إذا بان لك هذا، علمت لماذا عدّ السلف ترك الفرائض بخلاف ركوب المحارم، وأن الأول كفر، بخلاف الثاني فهو معصية إلا إذا استحلّ المرتكب فعلها، وذلك أنه يستحيل أن يكون المرء مؤمناً في الباطن، له في قلبه حب وإخلاص، وهو مع ذلك غير منقاد في الظاهر، بل هذا ملازم لهذا، كما أخبر النبي عليه السلام في الحديث السابق، والمرجئة يقولون قد يُفْعل مثل هذا من ترك الفرائض وارتكاب المحارم، ويكون مع ذلك الفاعل مؤمناً في الباطن، وهذا صحيح على أصولهم، لأن حقيقة الإيمان عندهم هو التصديق، ولذلك جعلوا الشيئين من جنس واحد كما يقول هذا المعترض، إذ هو على مذهبهم في هذا الباب، لأنه جعل هذا من جنس هذا، وأهل السنة يقولون هذا كافر ولو كان مصدِّقاً في الباطن، وذلك أنهم يقولون أن الإيمان قول وعمل، وهذا بتركه الفرائض ترك جنس عمل القلوب، وهذا سرُّ النزاع بينهم وبين المرجئة، كما قال العلامة ابن قيم الجوزية -رحمه الله- في كتابه (الصلاة) قال:
(وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده ... ) ا. هـ
ولذلك قال شيخ الإسلام كما في (شرح العمدة) من كتاب (الصلاة) قال:
(فإن حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لابالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئاً فما دان لله ديناً ومن لا دين له فهو كافر) ا. هـ
وأما الجواب عن الأمر الثاني، وهو حصره لهذا كله بالاستحلال، فهذا مثل قول الطحاوي -رحمه الله- في عقيدته، فإنه قال: (ولا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم