والأصل في ذلك ما روته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط -رضي الله عنها- قالت : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمى خيراً أو يقول خيراً ) (1) . وفي رواية أبي داود : قالت: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شئ من الكذب إلا في ثلاث كان رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا أعدُّهُ كاذباً الرجلُ يصلح بين الناس، يقول القول ولا يريد به إلا الإصلاح، والرجل يقول في الحرب، والرجلُ يحدث امرأته والمرأةُ تحدث زوجها ) (2) . واختلف أهل العلم في المراد بالحديث، فجمهورهم على إباحة الكذب في الثلاث المذكورات، وبعضهم قال إن المراد ليس حقيقة الكذب، بل التورية والمعاريض (3) . ولعل سبب اختلافهم يرجع إلى الزيادة التي في الحديث، هل هي مدرجة أم مرفوعة ثابتة. والزيادة ثبت رفعها -كما بينا- فتعين القول بإباحة الكذب في الثلاثة أمور السالفة الذكر . ولهذا الحديث شواهد: فشاهد الإصلاح بين الناس، الحديث المتقدم. وشاهد الكذب في الحرب، حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(1) . رواه البخاري (2692)
(2) . رواه أبو داود(4921) واللفظ له، وصححه الألباني. وأصله في الصحيحن، فقد رواه البخاري(2692) بلفظ: ( ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمى خيراً أو يقول خيراً ) . ورواه مسلم (2605) باللفظين جميعاً، لكن ذكر الزيادة من قول الزهري. : (قال ابن شهاب: ولم أسمعه يرخص في شئ مما يقول الناس كذبٌ ..) ، وذهب إلى ذلك ابن حجر وقال إن الزيادة مدرجة(انظر الفتح 5/353). وتعقب ذلك الألباني في الصحيحة (545) وبين أنها مرفوعةٌ ثابتةٌ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فراجعه إن شئت . وممن أخرج هذا الحديث أيضاً أحمد(26731)، والترمذي(1938).
(3) . انظر مسلم بشرح النووي . المجلد الثامن(16/135) ، فتح الباري(5/353)، شرح رياض الصالحين . لابن عثمين (1/272)